الموسوعة الخبرية الاولى في العراق تأسست عام 2000 م

علي وجيه يكتب: إرهاب المدينة الضاجة
أضيف بواسـطة
النـص : مرةً قرأتُ خبراً طريفاً – حزيناً، متعلّقاً بأحد طرق التعذيب التي استخدمها الأمريكيون مع بعض معتقلي القاعدة، وهي تشغيلُ مقطوعة ذكريات الشهيرة، للموسيقار الفذ محمّد القصبجي. المقطوعة رقيقة، ولم يذكر الخبر فيما لو أنّهم شغّلوها وأذاعوها على زنازين السجن الانفرادي بصوتٍ عال، لكن تكرارها إلى ما لا نهاية، هو التعذيب المرتجى، فكلّ ما تحبّ، ويوصف بأنه جميل، بالتكرار سيتحوّل إلى كابوس، وإن كان أغنيةً مفضلة، أو حتى وجهاً مفضّلاً، تخيّل لو كنتَ في غرفةٍ فارغة تماماً، وأمامك لوحة واحدة، ستتحوّل إلى عنصر موتّر بعد حين. ثمّة طبقات من التعذيب الفذ الذي لم يخطر ببال الشالجي في موسوعة العذاب، ولا بذهن ضبّاط سجن غوانتنامو، وهذه الطبقات تحيط العراقيين، لكنها تحتاج إلى الانتباه قليلاً، فلفرط التعذيب هذا، ينسى العراقيّون بالمجمل، مع استثناء نسبيّ لكردستان، وسكّان القرى والأرياف، أنهم يعيشون فيه. منظومة الضوضاء العراقيّة منظومة متعددة، ولو تصوّرنا مقطعاً صوتيّاً، وليت أحد الأصدقاء من الخبراء أن يصنع منه مشروعاً مستقبلياً لمعرفة عدد طبقات الأصوات غير المرغوب بها التي يتعرّض لها العراقيون، من استيقاظهم حتى نومهم. هذا الإرهاب، شخصياً، فيما لو أردتُ قراءته علاماتيّاً – صوتيّا، إن صحّت القراءة بهذه الطريقة، يبتدئُ أولاً بعدم وجود قوانين صارمة للعمل والبناء والهدم مع الجدران في أوقات نوم الناس، كأن يكون السادسة صباحاً، أو السابعة، فمن الممكن جدّاً أن يوقظكَ صوتُ مثقاب جدران دريل من نومك، أو حتى دريل هامر الذي يحفرُ بشكلٍ أعمق. دخولك الحمّام، بعد هذا الاستيقاظ، لن تكونَ بصحبة صوت الماء فحسب، وإنما صوت المولّدة الأهلية وهو يدخلُ عليك الحمّام. صوتُ المولّدة الأهلية بالنسبة لي هو الأشدّ إرعاباً، لأنه مستمر، وبشكلٍ غير ضاج جدّاً، هو جزء من هواء المدينة، وجوّها العام، والمشكلة أنّ الكهرباء الوطنية حين تشرّفنا بالقدوم لا يختفي، فثمّة شارع آخر يشغّل تلك المولّدات، فلن تحظى بلحظة هدوء، حتى تبدو المدينة مدينةً اعتياديّة، مثل أيٍّ من مدن الله! مع الخروج إلى الغابة الخارجية، سيكون هناك صوتُ محرّكات السيّارات، وأبواقها الهورنات، التي تُطلَقُ بمناسبة ودون مناسبة، في حالة هستيريّة، يعبّر فيها السائق عن برمه وانزعاجه من الازدحام، بإطلاقه بشكلٍ متواصل لا يهدأ، ولا يعترض أحد في الغالب، وإن كان بباب مستشفى! طبقة الضجيج الإضافية هي ما يشغّله السوّاق، في علامة إشهارية بالغالب تعبّر عن هوية هذا السائق أو ذاك، إن كان أغنيةً أو لطمية، أو محاضرة دينيّة، أو صفكَة حزبيّة، أو حتى الأخبار التي تندلقُ من شبّاك السيّارة المجاورة. هذه الهستيريا الصوتيّة، لم أصادفها حتى بأكثر المدن المزدحمة خارج العراق، عربيّة أو غير عربيّة، فثمّة نسق هدوء إلى حدٍ كبير، لكن الطبقات هذه، يُضاف إليها علوّ صوت العراقيّ أثناء الحديث، ولعلّ كثيرين يعرفون كيف يتفاجأ الآخرون من نبرتنا، التي تشبه الصراخ أثناء الحديث! في هذه الهستيريا، يُضاف لها الحرّ الجهنّمي، والشوارع المتكسّرة المزدحمة، والتفاصيل الأخرى التي تجري في العكس، هل يجرؤ أحدٌ على أن يسأل العراقيّ: لِمَ أنت غاضب؟ تستطيعُ قتل الإرهابي الملتحي، بألف سلاح، لكنّك لن تستطيع قتل إرهاب الأصوات بطبقات ضجيجها الهستيريّ، إلاّ بشعبٍ يصغي لذاته، قبل أن يتعامل مع المصادر الخارجيّة، صارخاً ومصروخاً عليه!
https://mutalee.com/article/%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%87-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%A7%D8%AC%D8%A9
تاريخ الإضافـة 20/06/2022 - 21:51