الموسوعة الخبرية الاولى في العراق تأسست عام 2000 م

هل الحل في تبني النظام الرئاسي ؟ د. أسامة الشبيب
أضيف بواسـطة
النـص : jبرز تصريحات وآراء عديدة بين الحين والآخر تدعوا الى تغيير النظام البرلماني وإبداله بالنظام الرئاسي , وأن الاخير يمثل الحل للمشاكل والازمات السياسية وغيرها التي تراكمت على العراق منذ العام 2003 وان هذا الموضوع يستدعي بيان بعض المفاهيم والافكار التي تضيئ زوايا أساسية تدور حوله . ان النظام الرئاسي الذي نشأ وتطور في الولايات المتحدة الامريكية وفق دستورها عام 1787م , جاء نتيجة تطورات سياسية واجتماعية وفكرية انتقل فيها المجتمع والنظام السياسي من تحقيق الاستقلال من الاستعمار البريطاني, مرورا بالكونفدرالية للولايات الثلاث عشرة المستقلة, وصولا الى الفدرالية الاتحادية وانشاء الولايات المتحدة الامريكية . وبالتالي فإن النظام الرئاسي جاء استجابة للتطلعات والآمال الاجتماعية والسياسية والتي تمخض عنها أول وثيقة دستورية مكتوبة أتفق عليها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الامريكية . ان الانظمة السياسية في العالم اليوم والتي استقرت في نظامين رئيسيين؛ الاول النظام البرلماني والثاني النظام الرئاسي, واذا كان النظام الرئاسي ولد نتيجة التطورات المختلفة في الولايات المتحدة الامريكية , فان النظام البرلماني أيضا جاء نتيجة تطورات سياسية واجتماعية وحراك وكدح اجتماعي وشعبي طويل في المملكة المتحدة بريطانيا في سبيل تقييد سلطة الملك وتحديد صلاحياته المطلقة , وقد نجح هذا الحراك في تحقيق نتائج وبشكل مرحلي تصاعدي حتى تبلور مشروع الدولة بنظامها السياسي في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر وذلك بتحقيق آمال الشعب بتحديد صلاحيات الملك و حماية الحقوق والحريات العامة وجعل السلطة بيد الشعب يفوضها لممثليه في البرلمان . لذا فان نوع نظام الحكم برلماني أو رئاسي ليس قوالب جاهزة يمكن وضعها في هذا المجتمع أو ذلك , وإنما هي عملية استجابة وملائمة مع الظروف الطبيعية لكل مجتمع ودولة . بالرغم من النجاح الكبير الذي حققه النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الامريكية , كما ويعتبر أحد أهم الركائز الاساسية لصعودها – امريكا السريع عالميا وتطورها الكبير على المستوى السياسي والاقتصادي, وان النظام السياسي للولايات المتحدة لم يشهد انحرافا نحو الاستبداد والدكتاتورية ولم يتعرض لانقلابات وثورات عسكرية خلال أكثر من مائتين وثلاثين عاما تقريبا. الا ان الكثير من الدول التي أخذت عنها النظام الرئاسي وطبقته في مجتمعاتها عانت من استبداد وطغيان بسبب الصلاحيات الواسعة المناطة بالرئيس, وكثرة الانقلابات والثورات التي نتج عنها عدم استقرار سواء في دول امريكا اللاتينية أو دول أوربا الشرقية وافريقيا وكذلك بعض الدول العربية ومنها العراق . وذلك لعدم وعي تلك المجتمعات للمساوئ والمثالب التي ترافق النظام الرئاسي أو لعدم ملائمته للبيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية لتلك المجتمعات والشعوب, فالبيئة الاجتماعية التي تقوم على تقديس الزعماء وعبادة الشخصيات وتدين لهم بالولاء المطلق, فان تبني النظام الرئاسي في مثل تلك الدول يمثل الأرض الخصبة والصالحة لإنتاج الطغاة والمستبدين والدكتاتوريات . ان الاسس والمقومات التي يقوم عليها النظام الرئاسي في الولايات المتحدة والتي أدت الى نجاحه وتطوره متعددة, ولعل أهمها هي النظام الفدرالي الذي حفظ خصوصيات كل شريحة وفئة اجتماعية داخل الدولة الواحدة ومنحها الصلاحيات المناسبة لها , والتعددية الحزبية المنضبطة والمنظمة الذي أفرزت حزبين رئيسين جمهوري وديموقراطي يتنافسان ويتناوبان على السلطة والحكم, ومبدأ الفصل بين السلطات, ودور القضاء الاتحادي المتمثل بالمحكمة الاتحادية العليا والمحاكم الاخرى, في استقرار النظام السياسي وصيانته, وفوق ذلك كله الوعي الاجتماعي الذي يرتكز عليه النظام ومؤسساته الدستورية والسياسية . ان تجربة النظام الرئاسي في العراق منذ تأسيس النظام الجمهوري عام 1958 الى عام 2003 أنتجت وبشكل واضح عدم استقرار سياسي واجتماعي, وشيوع ظاهرة الانقلابات العسكرية والثورات الشعبية نتيجة الاستبداد السياسي والاحادية الحزبية المهيمنة على المشهد السياسي والاجتماعي, ولم تنشأ خلال تجربة الحكم الرئاسي المنصرمة حالة وعي سياسي ينتج تعددية حزبية في ظل مؤسسات دولة قائمة وفق مبدأ الفصل بين السلطات , بل أنتجت تفشي ظاهرة الرجل الرمز والحزب القائد وعبودية الاشخاص القائمة على ولاءات طائفية وعشائرية وقومية . ان النظام البرلماني الذي اقره الدستور العراقي لعام 2005 وما رافقه من ممارسات عرفية وسلوك سياسي منحرف من كتل واحزاب أساسية, شوهت الكثير من معالمه الرئيسة وملامحه الديموقراطية مثل المحاصصة الطائفية والقومية, وفوضى التعدد الحزبي ذات الولاء الطائفي والقومي, وعدم فرز أغلبية سياسية واضحة تقود الحكومة وتتحمل المسؤولية عن النجاح والاخفاق, تقابلها أقلية معارضة تمارس بحرية تامة النقد والتقويم وفق أسس ديموقراطية ودستورية, وعليه برز لدينا نظام برلماني لا يشبه الانظمة البرلمانية في العالم مثل بريطانيا والمانيا وكندا وغيرها من الدول العريقة في النظام البرلماني . ان النظام البرلماني في العراق الذي أقره دستور 2005 وبالرغم من الملاحظات التي أخذت عليه دستوريا, الا أنه لم يتم تطبيقه بشكل صحيح ولم تتجسد قواعده القانونية والسياسية, وذلك لأسباب كثيرة داخلية منها وخارجية, يضاف الى ذلك ما يتصل بغياب حالة الوعي الاجتماعي والسياسي الذي يرافق عملية البناء السياسي والمؤسساتي في الدولة, فان نمو حالة الوعي والرشد اجتماعيا وسياسيا تمثل حجر الزاوية في نشوء وتطبيق أي نظام سياسي, جمهوري كان أم برلماني . وان عملية تغيير النظام السياسي الحالي وفق الشروط التي حددها الدستور, والانقسام السياسي المبني على أساس قومي وطائفي, وعدم وجود مؤسسات دولة رصينة تتمتع بالاستقلال والسيادة وفق مبدا الفصل بين السلطات, هي أصعب وأكثر مشقة من اللجوء الى العمل بقواعد النظام البرلماني وفق أسسه السليمة والصحيحة دستوريا وقانونيا من أجل إيجاد حلول للمشكلات ومواجهة الازمات والتراكمات التي تولدت نتيجة الفشل السياسي . لذا فان تبني نظام سياسي معين ليس ثوبا تلبسه الشعوب وتتقمصه الدول, بقدر ما هو عملية انسجام وموائمة واستجابة لمتطلبات اجتماعية وسياسية يتفق مع البيئة التي يطبق فيها وتسري عليها قواعده ومبادئه .
تاريخ الإضافـة 15/08/2019 - 17:32