حل الجيش وأجهزة الأمن

محمد ضياء عيسى العقابي

dhiaissa@yahoo.com

 

لا شك عندي بتاتا بأن حل الجيش وقوى الأمن كان أمرا في غاية الأهمية لصالح البناء الديمقراطي في العراق. لقد كانت الركائز الأساسية للنظام الطغموي في العراق بمراحله الثلاث (الملكي والقومي والبعثي) هي: 1- مؤسسة القوات المسلحة وأجهزة الأمن، 2- المؤسسة الدينية الطائفية المتمثلة بوزارة الأوقاف وجيش "وعاظ السلاطين" المرتزق من ورائها (وهذا لايعني جميع منتسبي الوزارة بتاتا، فهناك رجال دين أجلاء)، 3- شريحة البرجوازية الطفيلية (أي غير البرجوازية التقليدية) التي فرضها النظام القومي واستكملها النظام البعثي 4- شريحة "المثقفين" من كتاب وصحفيين وأدباء وفنانين وشعراء وأساتذة ومعلمين ودكاترة جامعة ممن مارسوا عملية التطبيل والتزمير أكثر مما التزموا بشرف المهنة.

غير أن المؤسسة العسكرية والأمنية كانت أكثر هذه الركائز خطورة وأهمية.

 

وبالإمكان القول أنه يصبح من باب الوهم تماما التصور بإمكانية بناء نظام ديمقراطي، أساسا، مع وجود هذه القوى المنظمة والمدربة والمسلحة والمتخمة بالعقلية العنصرية الطائفية الدكتاتورية الديماغوجية وبتقاليد وأفكار احتقار الشعب، بتقسيمه إلى درجات في سلم "الرقي"، والديمقراطية والحريات العامة والانحياز نحو الإقصاء والقمع والعنف والاستئثار؛ أي مشبعة بكل سمات النظام الطغموي (الطائفية والعنصرية والدكتاتورية والديماغوجية) الذي سهرت تلك القوى على حراسته من أذى الشعب. وإذا يصبح، جدلا، ممكنا بناء نظام ديمقراطي بإصرار وحماية أمريكيين، بوجود هذه المؤسسات، فإن هذا البناء مهدد وقد يصبح في مهب الريح على يد ذلك الجيش عينه، ساعة خروج القوات الأمريكية من العراق.

 

أرى أن إمكانية تطوير مؤسستي الجيش والأمن السابقتين تكاد تكون معدومة مهما يجرى عليهما من تطهير وذلك وفق المنطق التالي. إن أية مؤسسة تتكون اعتياديا، كالحاسوب، من كيانين: الكيان المادي والكيان البرمجي. يتكون الكيان المادي للجيش من الأفراد بمستويات متباينة فمنهم القياديون والوسط والأدنى يضاف إليهم السلاح والمعدات والمنشآت وكل شيء مادي ملموس. ويتكون الكيان البرمجي من قوانين ومبادئ ومفاهيم وأفكار وقيم وتعليمات وتقاليد عمل ومصطلحات عادية وإقصائية وتمييزبة وعدوانية صريحة ورمزية. بالنسبة لقوى الأمن السابقة في العراق أجرؤ على القول أن كلا الكيانين فيها أي الأفراد ومبادئ العمل كانا سيئين ومعاديين للشعب إلا القلة النادرة من الأشخاص. أما في الجيش فإن عدد الضباط الطيبين كبير جدا غير أن المؤسسة ملوثة بأفكار وتقاليد سيئة لا تتبدل حتى لو أبعد كافة الضباط السيئين. لهذا فحتى الضابط الجيد يرى نفسه ملزما وبدون إرادته على السير في طريق رسمته تقاليد الجيش المبنية على الطائفية والعنصرية والإقصاء.

 

إن الجيش والأمن كانا سينحلان طبيعيا حتى بدون قرار الحاكم المدني الأمريكي السيد بريمر. وربما كان حل المؤسستين سيأتي بطريق دموي بدلا من الطريق السلمي الذي حصل فيه. السبب هو أنه بمرور الأيام بعد سقوط النظام وبفعل الشحن الطائفي الطغموي كان سيحصل فرز سريع بين طبقة الضباط ومعهم بعض الجنود الطغمويين وبين طبقة الجنود ومعهم بعض الضباط غير الطغمويين وقد تحصل تمردات هنا وهناك تؤول في نهاة المطاف إلى اصطدامات عسكرية دامية تؤدي إلى حل تلك القوى كحل أسلم.

 

 أما دعوة ضباط الجيش السابقين برتبة رائد فما دون ودعوة ضباط الصف كافة للعودة لصفوف الجيش، تلك الدعوة التي صدرت في الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني 2005 فهي ليست خطوة تراجعية أو برهان على خطأ الإقدام على حل الجيش أساسا، هذا إذا تم انتقاء من لم تتلوث أياديهم أو أخلاقهم بالفعل أو الفكر الطغموي عبر تفعيل قانون إجتثاث البعث. لقد جاءت الخطوة بعد حل الجيش السابق وتشكيل جيش جديد تماما بأشخاص أغلبهم جدد وبثقافة جديدة وعلى أسس مهنية بحتة، على الأقل من الناحية النظرية والقانونية والنية والتوجه. كما أن الجيش الجديد قد مضت عليه سنتان كافيتان لولادة نسبة مقبولة للملامح الأساسية لتقاليد عمل وقيم وثقافة قائمة على المواطنة والحرفية. لذا قاطع الطغمويون الجيش والشرطة والأمن ومازال قتل الذين يتقدمون للعمل في هذه المؤسسات قائما على قدم وساق في المناطق الغربية من البلاد والموصل. ومازالت هيئة علماء المسلمين لم تصدر اية فتوى للإنتماء لتلك المؤسسات. بل أنها نأت بنفسها عن البيان الذي أصدره (64) عالم دين سني، وقرأه على الصحافة الشيخ أحمد عبد الغفور السامرائي، يدعون فيه أهالي المناطق الغربية والموصل للإنضمام إلى الجيش والشرطة. إن الهيئة تطالب بعودة الأجهزة السابقة.

 

فضل الأمريكان، ستراتيجيا، حل الجيش رغم حاجتهم التكتيكية إليه كآلية تشد من عضد الطغمويين لمداراة ضعفهم الجماهيري ليكتمل المشروع التكتيكي الأمريكي بخلق ثلاثة كتل (شيعة-أكراد-سنة) وتصبح الإدارة الأمريكية فيه المرجعية السياسية لهذه الكتل وتلعب على تناقضاتها وتؤثر في أوضاع العراق الديمقراطي لضمان مصالح الراسمالية الأمريكية عن طريق هذه التناقضات بعد أن يكونوا قد جعلوا أصحابها كتلا  متكافئة قسرا، إثنتين منها بفعل الثقل الجماهيري وأخرى طغموية بفعل تركزها في المؤسستين العسكرية والأمنية. في الواقع، كان حل الجيش والمؤسسات الأمنية أهم المؤشرات قاطبة على جدية ستراتيجية الأمريكيين في بناء نظام ديمقراطي في العراق، رغم أن هذه الستراتيجية أصابها الكثير من التشوه لصالح التكتيك الأمريكي ولكن المؤسسات الديمقراطية الرئيسية باقية لحد هذا اليوم بفعل إصرار الإئتلاف العراقي الموحد والحزبين الكرديين وهي مدعومة بقوة الجماهير الشعبية وعلى رأسها السيد علي السيستاني. ولكن الوضع غير مستقر وغير آمن كما أشرت إلى ذلك آنفا.

 

 يخطأ من يظن أنه ما كانت لتحصل الأعمال المسلحة والإرهاب لو تم الحفاظ على الجيش والأجهزة الأمنية السابقة، حتى ولو بعد تطهيرها من العناصر السيئة. هذا صحيح فقط في حالة واحدة: لو أبدى الطغمويون قدرا كبيرا من الصبر التكتيكي وضبط النفس على ما يجري في البلاد من بناء مرتكزات ديمقراطية "استفزازية" لهم كإنهاء حالة الإقصاء والتمييز الطائفي والعرقي وإعادة المفصولين وإنصاف المسجونين وذوي الشهداء والضحايا وإطلاق الحريات العامة وحرية الصحافة والتنظيم الحزبي والنقابي والمدني ووضع قانون إدارة الدولة المؤقت وإجراء الانتخابات وتشكيل الجمعية الوطنية وكتابة الدستور والاستفتاء عليه وإجراء انتخابات جديدة لمجلس نواب دائم ينتخب بدوره حكومة دائمة ومحاكمة المسئولين عن جرائم العهد البعثي الطغموي. فبالضرورة سيعقب هذا الصبر خروج القوات الأمريكية من البلد وعندئذ ينشط الجيش والقوى الأمنية، المنتظرة على مضض، ثانية لتدبير انقلاب أو، على أقل تقدير، لممارسة الضغوط والإبتزاز وسلب الحرية من مجلس النواب والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني وبالتالي تعطيل الديمقراطية وجعلها شكلية في أحسن الأحوال..

 

 بتقديري، إن الطغمويين سوف لا يكلون ولا يملون أبدا عن متابعة هدفهم لاسترجاع السلطة إليهم عن طريق الانقلابات العسكرية، حتى ولو ترتب على ذلك قتل ملايين العراقيين بشتى الوسائل بضمنها السلاح الكيميائي المخبأ الذي لا يجرءون على استخدامه حاليا بإشارة من سوريا الداعمة لهم والتي تخشى، بدورها، من هذا الإجراء لوجود القوات الأمريكية في العراق؛ وقد تثلم هيبتها حيال التزامها بالقرار رقم 1546، وإمكانية تحميل سوريا المسئولية ومعاقبتها مباشرة دون انتظار قرار من مجلس الأمن، كقصف القصر الجمهوري في دمشق مثلا. ولكن، رغم أنهم سيصطدمون بتصميم الشعب العراقي على الموت مقاتلين بدلا من السماح لعودة النظام الطغموي ثانية، يبقى السؤال قائما: لماذا هذه المجازفة والضحايا وضياع الوقت الثمين، فيما لو بقي الجيش والأمن على ما كانا عليه؟ لذا كان صحيحا قرار عدم تسهيل مسعى الطغمويين ذاك، لأن التساهل نوع من الإغراء.

 

 لقد كان بالإمكان تقليص وتيرة الإرهاب كثيرا، لو خلصت نية الأمريكيين ولم يجعلوا من العراق ساحة متقدمة لمكافحة الإرهاب الموجه لأمريكا. لقد صمم الأمريكيون الساحة العراقية لهذا الغرض بالذات فسمحوا بتشكل مقاومة بحجم معين لإرهاب العراقيين وإطالة بقاء القوات الأمريكية في العراق بهذه الحجة من جهة، ولإغراء كل من تحدثه نفسه بمقاتلة الأمريكيين وحسب إلى المجئ للعراق. وهذا الأمر جعل العراقيين يدفعون أكثر مما يتطلبه القضاء على الإرهاب الموجه إليهم خصيصا، وذلك حسب الأدلة التي أدرج أهمها بما يلي وباختصار: 1- استخدام ربع العدد المطلوب علميا من القوات المسلحة اللازمة لضبط الأمن وتسيير الحياة العادية، بعد إطاحة النظام الطغموي. 2- ترك ثكنات الجيش السابق مكشوفة مع سلاحها وذخيرتها كي تقع بأيدي الإرهابيين وتجار السلاح، 3-  فتح الحدود سائبة، 4-  عدم إلقاء القبض على عدد كاف من الناشطين العسكريين والأمنيين الطغمويين بعد سقوط النظام مقارنة بما حصل في ألمانيا النازية واليابان؛ وقد لاحظ ذلك الدكتور وحيد عبد المجيد نائب رئيس مركز الإهرام للدراسات السياسية والستراتيجية، 5- عدم تسليم الملف الأمني للعراقيين وقد طالب بذلك ولعدة مرات الشهيد محمد باقر الحكيم،     6- استفزاز وإهانة المواطنين العراقيين في المناطق الغربية من البلاد لدفع المواطنين إلى التعاطف مع/ أو الإنخراط في صفوف الإرهابيين. لقد انتقدهم الشهيد محمد باقر الحكيم بشدة على ذلك. فعلوا هذا بدلا من ملاحقة الإرهابيين الحقيقيين. حصل هجوم أمريكي، بعد شهر من تفجيرات مراقد الأئمة في سامراء، على إرهابيين مفترضين شمال تلك المدينة. غير أن وزير الأمن الوطني في حكومة الدكتور الجعفري السيد عبد الكريم العنزي قال في فضائية العراقية بأن القوات الأمريكية تضرب في المكان الخطأ وليس المكان الذي حددته الوزارة . وأضاف أن هذه ليست المرة الأولى. 7-  مساعدة الطغمويين في محاولة تحويل حالتهم الطغموية المعزولة إلى حالة طائفة واسعة محترمة (رغم أنهم لم يلاقوا النجاح الكبير مع استخدام القمع المميت). 

 

 لكن، من الناحية الأخرى، لو قرر الجيش (على افتراض عدم حله والاكتفاء بتطهيره) النشاط والتحرك حالا دون صبر وانتظار، وهو الأرجح حدوثا، لكانت ستحصل أعمال التمرد المسلحة والإرهاب بشكل أشد وأخبث، لأن التنسيق كان سيصبح على أشده بين الطرفين الطغمويين: داخل المؤسسات وخارجها. لدينا تجربة حية أثناء حكومة الدكتور أياد علاوي. فقد اختل الوضع الأمني بشكل خطير عندما أعيد للخدمة عدد من الضباط السابقين دون تمحيص جيد في خلفياتهم وأوضاعهم، بإشارة من الأمريكيين حسب تقديري، مما اضطر الحكومة والتي تبعتها إلى تسريح أعداد كبيرة منهم. لقد رأينا فيما بعد أن الإرهابيين أوشكوا على النجاح في تطويق بغداد بتجمعات سكانية "مطهرة" يختبئ فيها المسلحون وسط الناس "المطهرين" (بعد تهجير من لم يقف معهم) كما في اللطيفية واليوسفية والمحمودية والاسكندرية والمدائن والدورة وسامراء وبعقوبة وغيرها وغيرها. لقد كانت هذه، في فترة ما، أوكارا نائمة بانتظار ساعة الحسم؛ حتى جاءت حكومة الجعفري المنتخبة ديمقراطيا وبدأ العمل الجاد لإيقاف الإرهاب عند حده حتى نشطت وزجت بكامل ثقلها فرأينا تصاعد وتيرة الإرهاب، بمساعدة غير مباشرة من الأمريكيين، أو عدم الجدية في مكافحته على أقل تقدير.

 

  لذا فحل الجيش والأجهزة الأمنية الطغموية كان مبررا. وما تبع من أعمال إرهابية لحد الآن هي ضريبة لا مفر منها كان سيدفعها العراقيون على كل حال من أجل الإفلات من النظام الطغموي الطائفي العنصري والافلات من التكتيك الأمريكي وبناء نظام ديمقراطي سليم لا ينصّب فوق رأسه "مجلس أمن وطني" غير منتخب ويستمد فلسفته من صيغة "أهل الحل والعقد" المتخلفة.

 

 لو لم يكن حل الجيش والقوى الأمنية بتلك الأهمية للطغمويين، لما طالب المسلحون في الفلوجة في ربيع عام 2004 بتطهير الجيش الجديد من الشيعة والأكراد عندما تراءى لهم أنهم قد انتصروا وأخضعوا الأمريكان لمشيئتهم وأرادوا حفظ ماء وجه الأمريكيين بالمحافظة على الجيش الجديد مقابل تطهيره ممن ذكرت. ولو لم يكن حل تلك الأجهزة قد أصاب مقتلا من الطغمويين لما كانت المطالبات بإعادته مستمرة على طول الخط ومن كافة الأطراف الطغموية وبعض حكومات النظام الرسمي العربي الكاره لإنعتاق الشعب العراقي ومسيرته نحو بناء الديمقراطية. لقد طالب الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين، في فضائية الجزيرة في الشهر الثالث 2006 أي بعيد تفجيرات المراقد في سامراء، بعدم مغادرة القوات الأمريكية العراق (يا للعجب! ويا للجهاد!!) إلا إذا أعادوا الجيش السابق وأتوا بحكومة يرضى هو عنها، غير حكومة الجعفري المنتخبة ديمقراطيا والتي انتخبها الشعب ضد رغبة الأمريكيين و "حلفائهم" داخل العراق والمنطقة. كان مطلب إعادة الجيش السابق وقوى الأمن على رأس مطالب هيئة علماء المسلمين كشروط للمشاركة في مؤتمر الحوار المقترح من قبل الجامعة العربية. وكررت الهيئة نفس الطلب الآن بعد أن طرح رئيس الوزراء السيد نوري المالكي مبادرته ومشروعه للمصالحة الوطنية. قرائتي لحسابات الشيخ الضاري على الوجه التالي: فإعادة الجيش تضع بأيدي الطغمويين المبادرة العسكرية، والاعتراف ب"المقاومة" يعطيهم المبادرة السياسية، وجدولة الانسحاب يحدد لهم ساعة الصفر ليحصل الانقلاب وتبدأ البيانات الرنانة باسم الله وباسم الإسلام والعروبة وتبدأ اسطوانة الامبريالية والصهيونية والشعوبيين والصفويين والمجوس والخونة والشروك و "الذين استوردهم محمد القاسم من الهند مع الجاموس" و "أولاد الزنى" وأولاد العلقمي وعملاء الصهيونية والجيب العميل، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة. فيبدأ القتل والمقابر الجماعية.

 

أعتقد أن هذا السيناريو سوف لا يحصل، فقد فات أوانه حتى لو انقلبت الأرض عاليها سافلها ولو انقلب الأمريكيون على الشعب العراقي مائة بالمائة، وهذا ما لا تسمح لهم الظروف به. بل قد بدأ، بالفعل، سيناريو آخر طوره الأمريكيون، منذ انتقال الملف العراقي من يد البنتاغون إلى وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية، لخدمة مصالحهم الستراتيجية، وفق منظور هتين المؤسستين، واستجابة للضغوط الأوربية والروسية والصينية والداخلية الأمريكية والإغراءات العربية الرسمية، التي أنتجت تفاهما تكتيكيا أمريكيا مع الطغمويين، حسبما أقرأ المشهد العراقي. ولسنا الآن بصدد استعراضه ومناقشته بالتفصيل بل تطرقت إليه في عدة أماكن من الكتاب. وسأكتفي بعرض خلاصته، لأهميته، ولو أنه قليلا خارج الموضوع الذي نحن بصدده.

 

 يتلخص التفاهم بمحاولة تفتيت الإئتلاف العراقي الموحد عبر تيئيس الناس من تمكن الحكومة، التي يقودها، من توفير الأمن والحياة الكريمة لهم بسبب الإرهاب الذي تتغاضى عنه أمريكا، على أقل تقدير. وعندما يتفتت الإئتلاف بتفجير أحدى العتبات المقدسة في الكاظمية أو كربلاء أو النجف أو قتل واحد أو أكثر من المراجع الدينية ( وهذا هو الهدف من وراء الإلحاح المتواصل على حل الميليشيات الشيعية الحارسة، بمفردها، للعمق الشيعي) وينفجر هيجان عام منفلت، لا تستطيع حتى هيبة السيد علي السيستاني، إذا لن تناله يد الغدر قبيل ذلك، من ضبطه والتحكم فيه، وستكون تلك هي ساعة الصفر أما إلى إفتعال حرب أهلية محدودة وقصيرة على قدر ما تتطلبه دعوة مؤتمر عالمي لفرض صيغة أهل "الحل والعقد". أو للقفز مباشرة، دون حرب أهلية، إلى إقالة حكومة السيد المالكي وتشكيل حكومة "طوارئ" أو حكومة "إنقاذ وطني" أو تسليم مقاليد الأمور إلى "مجلس الأمن الوطني"  برآسة السيد أياد علاوي، مثلا، مع وزارة ذات أغلبية شيعية من شيعة "مرغوب فيهم"، فيتوقف "الجهاد" الإرهابي حالا، وتنسى جدولة إنسحاب قوات الإحتلال، وتعود الخدمات وفي مقدمها الكهرباء والمحروقات، وتنتعش الحياة الإقتصادية، وتقص أجنحة الصحافة "المشاغبة والشعوبية" وتبدأ التصفيات الخفية وسط ضجيج إعلامي إحتفالي عربي. وبعد أقل من سنة يتهيئ المسرح  لترتيب انتخابات بعناية ليصار إلى "انتخاب" أو تعيين حكومة يرضى عليها الشيخ حارث الضاري والسيد عدنان الدليمي والسيد صالح المطلك الذي قالها صراحة في مؤتمر صحفي نقلته فضائية الشرقية قرب نهاية الشهر الثامن "على الفئة السياسية الحاكمة الحالية في العراق أن تعترف بفشلها بعد أكثر من ثلاث سنوات من الفشل الأمني، وأن تسلم الحكم إلى من له خبرة في حكم العراق". لا أتوقع أن تكون الحكومة، في حالة نجاح هذا السيناريو وعدم إحباطه بحركة عصيان مدني سلمي يقوده الإئتلاف العراقي الموحد، بمواصفات السيد المطلك، الذي يؤول مطلبه إلى عودة نظام الإبادة والتطهير العرقي والطائفي، وهذا ما سوف لا يرى الأرض مفروشة بالورود أمامه للوصول إليه رغم سلاحه الكيميائي والدعم المتنوع من أعداء الديمقراطية العراقية، إضافة إلى عدم رغبة الأمريكيين في ذلك لتخوفهم من الجماهير المليونية المتأهبة للعصيان المدني السلمي، وعدم مطابقته لستراتيجيتهم المتمثلة ب "مقايضة الديمقراطية بالصداقة النفطية". ولكن سيكون للطغمويين في الحكومة قوة لا عددية بل قوة مستندة إلى كثافتهم في الجيش والأجهزة الأمنية. وهذا هو الهدف التكتيكي الأمريكي الذي يرنو إلى جعل العراق يستند على ثلاثة ركائز "متكافئة" (شيعة – أكراد – سنة) فيجعل الأمريكيون من أنفسهم مرجعية سياسية لهذه الركائز عبر اللعب على صراعات تفتعل بينها؛ وهكذا يجري حكم العراق عن بعد وتفعيل قوانين بول بريمر الإقتصادية النفطية، بعد مغادرة القوات الأمريكية العراق.  ولكنني أتوقع فشل هذه الخطة الأمريكية - الطغموية لسببين:1- عدم شرعية المطامع الاقتصادية – النفطية الأمريكية. 2- الماضي والحاضر للطغمويين بأنواعهم الملطخة أياديهم بدماء العراقيين، ما ولد يقظة لدى الجماهير وقواها الديمقراطية وعلى راسها الإئتلاف والتحالف، وإمتلاكها أمضى سلاح يرعب الإدارة الأمريكية، وهو سلاح العصيان المدني السلمي الذي يمكن للإئتلاف شنه بمفرده، كمرحلة أولى. سيسبب هذا العصيان للإدارة الأمريكية أشد الحرج أمام غرمائها الأوربيين والحزب الديمقراطي وروسيا والصين، بسبب صراعها معهم حول الرغبة في فرض سياسة القطب الواحد في إدارة شئون العالم الذي أعقب توقف الحرب الباردة، وسعي الإدارة الأمريكية إلى استخدام النفط كسلاح لتحقيق ذلك الهدف الستراتيجي العالمي.

 

ولا أستبعد أيضا أن تنقلب الإدارة الأمريكية على مؤسستي الخارجية والإستخبارات المركزية والنظام العربي الرسمي  والطغمويين، وتعود إلى ستراتيجية البنتاغون التي تمت الإطاحة بالنظام الطغموي البعثي بموجبها، والتي إنبثق منها مشروع الشرق الأوسط الكبير ودمقرطة المنطقة. عندئذ سينهون شهر العسل مع الطغمويين، ويصفون "المقاومة" المفتعلة، ويغلقون الحدود أو يشددون الرقابة عليها ويسلمون الملف الأمني للعراقيين مع الإسراع في تدريب وتسليح الجيش والشرطة والأمن العراقي، ويسلمون أمر تصفية أنصار القاعدة إلى القوات العراقية مدعومة بالديمقراطيين العراقيين والعشائر في المناطق الغربية؛ وقد تشكل حكومة قوية من الإئتلاف الوطني الموحد والتحالف الكردستاني ولا يمانعون من إنضمام الطغمويين إلى الحكومة وفق صيغة الإستحقاق الانتخابي على أن يحترموا الدستور والقوانين ويكفوا عن التخريب وإحتضان الإرهاب وإنتهاج السياسة التي عبر عنها الرئيس جلال الطالباني ب "الغداء مع الديمقراطيين والعشاء مع الإرهابيين". بتقديري، قد يتم كل هذا في إطار العودة إلى التفاهمات التي سبقت الإطاحة بالنظام ومؤداها إرساء علاقات شفافة وإحترام متبادل ومنافع متكافئة وصداقة حقيقية بين أمريكا وعراق ديمقراطي مسالم فيدرالي لا يكون مصدر تهديد لأي كان ولا يسمح لأي كان بتهديده أيضا.    

   

فيما عدا ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 فإن كافة الانقلابات العسكرية كانت تجرى ضمن البيت الطغموي الواحد فالمتناحرون مختلفون بينهم، ويصلون حد التصفيات الجسدية، لكنهم موحدون حيال الشعب، العدو المشترك، كما يحصل اليوم على سبيل المثال بعد سقوط نظامهم الطغموي. آتي ببعض الأمثلة الصارخة من بين الآلاف للتدليل على نوع الأساس الطائفي- العنصري الذي استند إليه الجيش العراقي الذي لا أعتبر أن حله شكل طعنة بكرامة العراق بدعوى أنه "كان يمثل رمزا للبلاد". إن هذا كلام من كان يدرك أن الجيش وقوى الأمن هي التي كانت الساعد الأيمن للنظام الطغموي في اغتصاب السلطة من الشعب. الأمثلة التي سأذكرها حدثت في وقت كان فيه الجيش هو سيد الموقف دون منازع ولا أحد يستطيع أن يسوق ذات التبربرات التي قدمت كعذر لسكوت الجيش على الأعمال الشنيعة إبان الحكم البعثي بحجة أنه كان مغلوبا على أمره بسبب هيمنة حزب البعث وصدام بالذات على مقدراته. حتى هذه الحجة الأخيرة مرفوضة بحد ذاتها. كيف استطاع شخص، غير عسكري معروف بكونه أقرب إلى رجل عصابة مما هو إلى رجل حزب وسياسة، أن يسيطر على مؤسسة الجيش ويعيث بها فسادا لو لم يكن في الجيش ضباط بعدد كاف راقت لهم سياسات صدام المتطرفة في الإقصاء والإبادة والتطهير العرقي والطائفي؟ وكيف استدرجهم صدام وعلى أي أساس؟ ومسألة استدراج بعض ضباط الجيش ثابتة وحقيقية كما أيدها الباحث السيد حسن العلوي في فضائية الحرة يوم 25/11/2004.

 

ولابد من التنويه إلى أن عددا لاباس به من الشواهد التالية تخص الرئيس عبد السلام عارف، ما قد يوحي بأن الحالة ليست عامة بل فردية. هذا غير صحيح. فقد شغل الرئيس عارف هذا الحيز لأنه لعب دورا بارزا في ثلاثة حقب مهمة مفعمة بالصراع بين الديمقراطيين والطغمويين الطائفيين العنصريين وهي: 1- دوره في حركة الضباط الأحرار ومهاجمته للقصر الملكي وإذاعته بيان ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ، وما تلا ذلك من أحداث ساخنة ودامية. 2-  توليه منصب رئيس الجمهورية بعد نجاح انقلاب 8 شباط ودخوله في صراع مع البعثيين لأنهم تعاملوا معه كرئيس رمزي، لكونه لم يشارك فعلا في الإنقلاب. 3-  قاد الإنقلاب على البعثيين في تشرين من نفس السنة 1963 واصبح الحاكم الفعلي للبلاد.

 هذا إضافة إلى سماته الشخصية المتميزة بالطائفية والجهل وإلقاء الكلام على عواهنه دون حرج مما يكشف الكثير عن مكنوناته الداخلية التي يتقن غيره فن إخفائها، خاصة في يومنا هذا. لقد أرعب الغرب في خطاباته في الأيام الأولى لثورة تموز إذ اعتبروه هو "الشيوعي القطمر" بترديد عباراته المشهورة مثل "لاقصور ولا ثلاجات" و  "لا جون ولا جون بول بل حمد وحمود نريدها جمهورية خاكية" ولم يلتفت الإعلام الغربي ، أو تعمد عدم الإلتفات، إلى أن الجماهير الشيوعية في الناصرية كانت تجيبه على هذه الكلمات بهتاف "علمنا فهد دولتنا اشتراكية". وهو الذي خطب في حفل افتتاح السد العالي بحضور الزعيم السوفييتي نيكيتا خروشوف قائلا"...سبحان الذي خلقنا عربا.." فرد عليه خروشوف الأممي المعروف بصراحته وحدة لسانه قائلا: " وهل نحن، غير العرب، أمهاتنا بايرات؟". وسمعت بنفسي ما يلي من أحد كبار رجال الدولة البعثية وله أخ ضابط كبير الرتبة من القوميين (أحتفظ بإسميهما): كان الرئيس عبد السلام مع عدد من كبار الضباط القوميين المقربين إليه. رن الهاتف وإذا بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان على الخط. كان عبد السلام يتكلم بلغة مؤدبة (نعم يا بيه، وما شاكلها) ولكنه وضع يده على سماعة التلفون والتفت إلى أصحابه وأخرج لسانه وغمز بعينه وقال لهم "أقشمر الحشاش" (أي أضحك على الحشاش!!). وأخيرا، وكمثال على فلتان لسانه والإفصاح عن مكنونات قيمه العنصرية الرديئة؛ فقد القى الرئيس عارف خطابا قبل وفاته بشهرين تقريبا في ضباط كلية الإحتياط ببغداد/ الدورة العشرين/ الوجبة الثانية المبتدئة في 5/2/1966، وقد شهدت ذلك بنفسي. أوضح في الخطاب ضرورة الإتصال بزعماء العالم لشرح القضية الفلسطينية؛ وهذا ما دفعه للقاء زعيم غانا الرئيس كوامي نكروما ( وهو ماركسي وعلى قدر عال من الثقافة وقد علمنا ذلك من القياديين الشيوعيين البريطانيين الذين كانوا يولون اهتماما خاصا بالمستعمرات البريطانية). ثم أردف الرئيس عارف قائلا " الله وكيلكم لوما القضية القلسطينية لما تجرعت هذا العبد التفس اللي يلعب النفس". وبالمناسبة وفي هذا الخطاب بالذات قال سوف أسوق للجيش الصغير والكبير من اقصى الجنوب حتى الشمال لمحاربة الأكراد الإنفصاليين!!!. كما قال أنه عندما تلقى الزعيم عبد الكريم قاسم برقية الزعيم الوطني العراقي والكردي الملا مصطفى البرزاني يهنأه وييستاذنه بالعودة لبلاده من منفاه، أشار على الزعيم عبد الكريم بأن يرد عليه ببرقية من كلمتين وهما: "برو برو" أي إذهب إذهب!!    

 

1- ليس بخاف على أي عراقي الإقصاء الذي كان ممارسا على الشيعة في تركيبة ضباط الجيش العراقي منذ تأسيسه على يد الإنكليز الذين استعانوا بأول تشكيلة له المسماة ديماغوجيا باسم (موسى الكاظم) لضرب انتفاضة عشائر الديوانية ضد البريطانيين. لقد أوردت إحصائيات مذهلة في الفقرة الثالثة أدناه عن دراسة ميدانية جرت عشية انقلاب بكر صدقي عام 1936 وشملت 61 ضابطا في الجيش العراقي من ذوي الرتب الرفيعة. يبرر البعض التباين الفاضح في النسبة التركيبية إلى مقاطعة الشيعة، بقيادة مرجعياتهم، الحكم الذي سمي وطنيا وأسسه الإنكليز حسب مصالحهم ووفق الصيغة الإقصائية لأنهم قاموا بثورة العشرين ضد احتلالهم العراق وهم قادرون على الوقوف بوجههم لصالح العراق. لذا، يقول أولئك المبررون، أن تواجد الشيعة في طبقة الضباط كان ضئيلا. ويذهب آخرون إلى أن المقاطعة شملت لا الجيش وحسب بل جميع مرافق الدولة ما يفسر ضآلة شغل الشيعة للمناصب العليا في الدولة. وذهب فريق آخر من المبررين، منهم الدكتور عدنان الباجه جي، إلى أن الشيعة لم يكونوا يمتلكون الكوادر المؤهلة لشغل المناصب القيادية في الجيش والدولة عموما. أعتقد أن كل هذه تبربرات للحالة الطغموية. فرغم أن الدولة العثمانية حرمت الشيعة من فرص التعلم وحرمتهم من تبوء أي منصب حكومي حتى مجرد شرطي، كما ذكر ذلك الزعيم الديمقراطي المرحوم كامل الجادرجي في مذكراته، إلا أنهم أوجدوا لهم نظمهم الذاتية لتعليم أبنائهم بإرشاد المرجعيات الدينية. أشير إلى ما جاء في مذكرات الجواهري الكبير حول تعليم اللغة العربية والعلوم في النجف في وقت انشغلت فيه مدارس بغداد بثقافة التتريك. فكان، إذن، هناك مؤهلين لشغل المناصب الرفيعة العامة. وإلا فمن قاد ثورة العشرين؟ وكيف أصبح جعفر أبو التمن زعيما وطنيا ديمقراطيا معارضا مع رفيقه كامل الجادرجي؟ وما كانت سمات القادة الطغمويين الذين نصبهم الأنكليز في سدة الحكم؟. خذ مثلا واحدا، وهو السيد عبد الرحمن النقيب، أول رئيس وزراء للعراق. لقد خاطب المس بيل بلغة يندى لها جبين أي وطني عراقي. لقد قال لها ما يلي والكلام منقول من كتاب"تأريخ الوزارات العراقية" للسيد عبد الرزاق الحسني:

 

"خاتون إن أمتكم عظيمة وغنية وجبارة، فأين قوتنا؟ أنا أعترف بانتصاركم، فأنتم الحاكمون وأنا المحكوم. وإذا سألت عن رأيي في إستمرار الحكم البريطاني، فإن جوابي هو إني خاضع للمنتصر، وإنكم بذلتم الأموال والنفوس في سبيل ذلك، ولكم الحق في أن تنعموا بما بذلتم."

    

ومن جهة أخرى، حتى لو افترضنا عدم وجود الكوادر المؤهلة، ألم يصبح ملزما، من بعد ما تبدلت الظروف والمواقف، أن تلتفت الحكومة العراقية المسماة وطنية، وهي مسئولة أمام الشعب قانونا، إلى تصحيح الأوضاع والاسراع في تطوير كوادر شيعية بشتى التخصصات المدنية منها والعسكرية ومن ثم العمل على معالجة الخلل الكبير في توزيع مناصب الدولة؟ لم يحصل ذلك وبقي الخلل حتى حلول ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958. فبالنسبة للمناصب العسكرية، لو راجعنا الفقرة الرابعة أدناه لوجدنا أنه بعد مرور 16 سنة على تأسيس الحكم الوطني مازال 95% من ضباط عينة الدراسة البالغين 61 ضابطا برتب عالية هم من السنة، و67% منهم من مدينة بغداد، و82% منهم ممن تدربوا وخدموا في الجيش العثماني. أما بالنسبة للوضع المدني فقد تلى مدير برنامج "برج بابل" في فضائية الحرة بتاريخ 21/7/2005 السيد عماد الخفاجي إحصائية عن رئاسات الوزارات العراقية جاء فيها ما يلي:

من (68) عاما من عمر العراق شغل رؤساء وزراء شيعة (3) سنوات أي بنسبة (4.48%)،

نسبة عدد رؤساء الوزراء الشيعة في العهد الملكي (8.5%)،

نسبة عدد رؤساء الوزراء الشيعة في العهد الجمهوري (2%).

 

  وحتى قيام ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 لم يصل إلى منصب رآسة الوزارة إلا ثلاثة من الشيعة من أصل 54 رئيسا حسب إفادة الباحث حنا بطاطو. وتشير الدلائل إلى أن دهاء بريطانيا قد دفعت، عن طريق الوصي على عرش العراق طبعا، باثنين منهما إلى الرآسة وهم صالح جبر لمحاولة تمرير معاهدة بورتسموث ضنا من بريطانيا بأن أغلبية الشعب العراقي، وهم الشيعة، سيغريهم تعيين رئيس وزراء منهم أخيرا، وقد يوحى للناس بأن التعيين يرمز إلى بادرة خير باتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وهكذا سيمر توقيع المعاهدة بسلام. غير أن الشيعة لم  يكونوا بتلك السذاجة ولا ذاك النهم والتهالك على كراسي الحكم وباي ثمن، لذا شاركوا في الوثبة الشعبية لعام 1948 بدور فعال لاسقاط معاهدة بورتسموث، وقد سقط في الوثبة وعلى الجسر (العتيق) الشهيدان قيس الآلوسي وجعفر الجواهري الشقيق الأصغر لمحمد مهدي الجواهري. وهنا أضطر البريطانيون، ثانية بدهاء، إلى تكليف السيد محمد الصدر لرآسة الوزارة لتهدئة الجموع المنتفضة والتي لم يستطع أحد إقناعها بسقوط المعاهدة وتهدئتها إلا بذي وزن ومصداقية كاللتين كان يتمتع بهما السيد الصدر. أما رئيس الوزراء الشيعي الثالث فكان الدكتور محمد فاضل الجمالي. يقول الباحث السيد حسن العلوي بأن الوصي على عرش العراق الأمير عبد الأله هو الذي كان وراء ذلك التكليف بعد أن انتهت وصاية الأمير على العرش وتبوأ الملك فيصل الثاني عرش العراق بعد بلوغه السن القانونية فأراد الأمير استرجاع العرش الهاشمي في سوريا ليتبوأه هو، وهو مشروع رفضه نوري السعيد. أنا أميل إلى رواية اليسار الماركسي العراقي في حينه بشأن تعيين الدكتور الجمالي وهي: شخص الأمريكيون بأن القلاقل السياسية التي تحدث في العراق سببها انفصال الطبقة الحاكمة عن الطبقة الوسطى وخاصة المثقفين. لذا عولوا على الدكتور الجمالي ليوحوا للشباب بأن تغييرا حقيقيا في نهج السلطة سيحصل في العراق آملين جذبهم إلى جانب الحكومة ونبذ أحزاب المعارضة الديمقراطية واليسارية. هناك عدة مؤشرات تدعم هذا التفسير وهي: 1- إن نوري السعيد كانت له يد قوية في التآمر على سوريا بهدف جذبها إلى حلف بغداد المزمع تشكيله؛ وربما كان ذلك خطوة أولى نحو إعادة العرش الهاشمي الأمر الذي تتبناه الأردن، كسياسة رسمية، لحد هذا اليوم. 2- تشكل في تلك الفترة مجلس الاعمار وجاء بناء على دراسات بريطانية خلصت إلى ضرورة خلق وتوسيع الطبقة الوسطى في العراق كعامل استقرار سياسي يقضي على الاستقطاب الطبقي الذي كان سائدا آنذاك، الأمر الذي يشير إلى أن عدم استقرار الحكم كان هاجسا قويا في تشكيل الحكومة وشخصية رئيسها.  3- بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 نشرت صحيفة الديلي تلغراف، المقربة من اوساط وزارة الخارجية البريطانية، دراسة في عدة حلقات شخصت فيها الدروس المستقاة من الثورة. قالت إن من عوامل اندلاع الثورة والتفاف الشعب حولها هو انعزال الطبقة الحاكمة عن المثقفين. ولا اعتقد ان هذا التشخيص لم يمت بصلة إلى تشخيصات سابقة أعقبت وثبة عام 1948 وانتفاضة عام 1952، وأرادوا معالجتها بتعيين الدكتور الجمالي.

 

-         2- لابد من التذكير، كمثال على إخفاق السلطة في معالجة الخلل بل التمادي فيه، بما أوردته في مكان آخر من الكتاب نقلا عن مذكرات الجواهري حول الضجة والممانعة الصاخبة التي أثارها ساطع الحصري وأعوانه ضد تعيين شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري كأستاذ مدرسة بذرائع واهية لم تبررها حاجة العراق الماسة آنئذ إلى الكفاءات (ومن كان أكفأ من الجواهري في تدريس اللغة العربية وهو خريج مدارس النجف التي لم تكن تمنح شهادات رسمية مطرزة!) ولكنهم لم يخفوا حجتهم الحقيقية باتهامهم إياه بكونه "عجميا" رغم أن عمر مقبرة آل الجواهري في النجف تعود إلى 500 عام. ألم يصلح الجواهري كمشروع للحكومة لتعديل الخلل في مكونات شاغلي وظائف الدولة العراقية؟ إذا كان هذا هو الحال في حالة وظيفة صغيرة (معلم أو مدرس) والمرشح هو الجواهري فكيف كان سيصبح الموقف لو أريد شغل منصب كبير؟ لقد ذكر الجواهري نفسه في مكان آخر من مذكراته الأسلوب الذي أتبع لإقصاءه، هو نفسه ثانية، من تشريفات البلاط الملكي في عهد المغفور له الملك فيصل الأول بنكاية من السيد مزاحم الباجه جي. إن غريزة الحفاظ على مصالح الطغمة كانت وما زالت تقتضي بتر أي يد للجماهير تمتد إلى مواقع القوة والقرار. لذا أبعد الجواهري بالأمس وأبعد أحمد الجلبي اليوم بعد جهد مركز وحرب شعواء ضده شنها الطغمويون داخل العراق وموجهوهم من خارجه وبعد أن صب ذلك الجهد في منفعة التكتيك الأمريكي الذي حرص، منذ التخطيط لاطاحة النظام الطغموي، على إضعاف أية قوة في العراق قادرة على تحديد طموحاتهم وجعل العلاقة متكافئة بين الطرفين.

 

-         3- في عام 1936 وعشية انقلاب بكر صدقي أجريت دراسة ميدانية لعينة تضم (61) ضابطا عراقيا من ذوي الرتب الرفيعة. أظهرت الدراسة النتائج التالية: 1- 95% منهم كانوا سنة بينما شكل السنة آنئذ نسبة 46% من سكان العراق. 2- 67% منهم كانوا من مواليد بغداد، بينما لم تشكل بغداد سوى 8% من سكان العراق. 3- 82% منهم تدربوا في الجيش العثماني وعملوا فيه  ، رغم انقضاء 16 عاما على تأسيس الجيش العراقي. (المصدر: الدكتور علي وتوت في مقال "المؤسسة العسكرية والدولة العراقية" المنشور في موقع فضائية الفيحاء الإلكتروني بتاريخ 4/8/2006).     

 

-         4-  نعى العقيد المتقاعد السيد سليم شاكر الإمامي عروبة العراق الآن وتغنى بما حققه العرب في العراق إلى أن سقط النظام في 9/4/2003. والعقيد، حسب قوله، كان بعثيا منذ عام 1953 إلى أن بارح السجن ولم يفصح في أية سنة. أورد العقيد مثلا على تلك الإنجازات في فضائية المستقلة بتاريخ 29/11/2004 متحدثا إلى مدير الحوار السيد محمد صديق اليوسفي الذي تناغم مع العقيد بشأن "مخططات العمائم السوداء" في العراق. قال العقيد "إنهم"، ويقصد الحكومة العراقية الملكية الطغموية، أرادوا تعيين قائد للقوة الجوية فأتوا بالضابط نوري فتاح وهو شيعي من أهل كركوك فجعلوه قائدا للقوة الجوية "بعد أن أقنعوه بأن يصبح سنيا". أشهد للعقيد سليم أنه لم يقل "وذلك لعدم صلاحية الشيعي لشغل مثل هذه المناصب"، ربما لاطمئنانه بأن القارئ، حتى الذي يمتلك إدراكا دون المتوسط، قادر على فهم ذلك حتى دون أن يقال له بالكلمات. ولا شك أن التعيين بهذه الطريقة كان معالجة، على الطريقة الطغموية، للخلل الذي كان يعتري مبدئي "تكافؤ الفرص أمام المواطنين" و "وضع الشخص المناسب في المكان المناسب"؛ وكان معالجة لوضع الإقصاء المزمن ضد أكبر شريحة سكانية في البلد.  

 

-         5-  حدثت في العراق أحداث سياسية خطيرة لم تكن تشابه الأحداث الفوقية التي جرت ضمن البيت الطغموي الواحد حينما لم يكن الشعب طرفا فيها. الأحداث التي أقصدها دخل فيها الشعب وجها لوجه مع السلطة الطغموية كما حصل في وثبة عام 1948 التي أسقطت معاهدة بورتسموث وانتفاضة عام 1952 احتجاجا على قمع الحريات ومن ثم انتفاضة عام 1956 احتجاجا على تآمر حكومة نوري السعيد الملكية مع بريطانيا، وهي إحدى دول العدوان الثلاثي، ضد مصر بعد أن أمم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر شركة قناة السويس العالمية. في كل هذه الأحداث سيطر الجيش على الأوضاع في البلد منحازا لصالح الطبقة الطغموية الحاكمة وضرب الشعب وقتل الشهيدين قيس الآلوسي وجعفر الجواهري وأعدم الوطنيين: ثلاثة من قادة الحزب الشيوعي العراقي عام 1949 وأثنين من كوادر ذلك الحزب في مدينة الحي في انتفاضة عام 1956.

 

-         6-  كان أبو يحيى، الرجل المسن الطيب الذي حظي باحترام الموظفين، سائق سيارة لاندروفر في المديرية العامة لمباني جامعة بغداد في ستينيات القرن الماضي. حدّث أبو يحيى بعض الموظفين الذين كان ينقلهم، وكنت أحدهم، بأنه كان في الجيش في مستهل أربعينات القرن الماضي وكان سائقا للضابط الذي أصبح رئيسا للجمهورية العراقية فيما بعد المشير عبد السلام عارف. كان الضابط عبد السلام يكنّ لأبي يحيى الود ويقول له دائما: أحب أن أساعدك لأنك إنسان طيب ولكن، بالحيف أنت شيعي!!

 

-         7- كان جميع العسكريين في مجلس قيادة الثورة إثر نجاح انقلاب 8 شباط عام 1963 من السنة.

 

-         8-  ذكر السيد فاتك الصافي، القيادي في حزب البعث أثناء وبعد انقلاب 8 شباط 1963، أمرا قد يبدو بسيطا ولكنه لو لم يكن ذا أهمية ومغزى لما ذكره في كتابه، والسيد الصافي من أب شيعي نجفي ومن أم سنية من إحدى عشائر الرمادي. ذكر بالمعنى وليس بالكلمات: (عند وقوع الأزمة الداخلية في حزب البعث بعد انقلاب 8 شباط عام 1963 حصل اجتماع لكبار القادة البعثيين من العسكريين كالبكر وعماش وغيرهم مع بعض القياديين المدنيين. لما وصل الدكتور سعدون حمادي، وكان وزيرا للزراعة والإصلاح الزراعي، إلى  قاعة الاجتماع خاطبه أحد هؤلاء الضباط ب "العجمي")، وهي من الكنى التي يكنى بها شيعة العراق من قبل الطغمويين. إن ذلك يشير إلى نمط ثقافة العسكريين الطغمويين المسيطرين على الجيش العراقي. أما لماذا أظهروا ما يبطنونه من طائفية إقصائية بغيضة في ذلك الوقت فقد يكون راجعا إلى حراجة اللحظة التي احتدم فيها الصراع داخل حزب البعث بين العسكريين والمدنيين فكان ذلك تعبيرا عن غضب العسكريين البعثيين الطغمويين من القياديين المدنيين الشيعة في حزب البعث والذين نفوا على إثر هذا الاجتماع مع علي صالح السعدي أمين سر القيادة القطرية للحزب، إلى إسبانيا، وهم حازم جواد ومحسن الشيخ راضي وآخرون.   

 

-         9-  عين المرحوم الدكتور عبد الرحمن البزاز، رجل القانون والأكاديمي، رئيسا للوزراء في عهد الرئيس عبد السلام عارف. أراد الدكتور البزاز، وهو قومي، التخفيف شيئا ما من غلواء الإقصاء ضد الشيعة والأكراد خاصة بعد انقلاب 8 شباط 1963 الذي بلغ فيه التطرف والإقصاء مستوى عاليا. لذا اقترح رئيس الوزراء إصدار قانون يحصر نسبة من الوظائف في كل محافظة بأهلها. بالطبع لم يرق هذا الإجراء للعسكريين الذين سيطروا على معظم مرافق الدولة لتحقيق المكاسب لأنفسهم. شكى فريق من الضباط الممتعضين والمؤثرين الأمر إلى رئيس الجمهورية المشير عبد السلام عارف.  فما كان من الرئيس إلا أن طمأنهم بطريقته السفيهة قائلا لهم " لا تهتموا له إنه معلم صقيع". وهكذا لم ير القانون النور. نشرت الصحافة الحزبية في حينه هذه الحادثة.

 

-         10-  بعد الانقلاب القومي في تشرين ثاني 1963 الذي قاده رئيس الجمهورية المشير عبد السلام عارف ضد حزب البعث، وكان الحزب الطرف الأقوى في انقلاب 8 شباط الدموي، حصلت أزمة بين الضباط القوميين الذين أصبحوا ممسكين بالسلطة بعد طرد البعثيين. وأصبحت الكتل المختلفة منهم ترشح  وتدفع بمندوبها لرآسة الوزارة. يبدو أن المرشح الأوفر حظا كان الزعيم ناجي طالب وهو أحد قادة الضباط الأحرار وهو قومي وكان ضابطا يحظى بالاحترام. لما عرض الاقتراح على الرئيس عبد السلام عارف قال: إن ناجي جيد ولكنه شيعي. هذه معلومة كانت شائعة بين العراقيين ولا أعرف مدى صحتها.

 

-         11-  بعيد انقلاب الرئيس عبد السلام عارف في تشرين ثاني 1963 على حزب البعث، أجرت مجلة "روز اليوسف" المصرية مقابلة معه، أي مع الرئيس عارف، فسألته عن "قضية الشيعة في العراق"؛ وكانت الضجة قد علت بين أوساط واسعة داخل وخارج العراق على انتهاكات الانقلابيين عموما لحقوق الإنسان، ويبدو أن جزء من الضجة قد توجه نحو ظاهرة مفادها أن الطائفية البعثية القومية قد أفصحت عن نفسها بشدة قبل وبعد الانقلاب الفاشي في 8 شباط 1963، بسبب التوجهات الديمقراطية لثورة 14 تموز، فطالت الشيعة في الأوساط الديمقراطية واليسارية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي بقسط وافر من الاضطهاد والتعذيب والقتل الذي أزعج حتى وكالة المخابرات المركزية فأنّبت حكومة الانقلاب وذكرتها بطلبها من الانقلابيين مسبقا بإقامة محاكم صورية قبل الإقدام على القتل بهذا الشكل الواسع. على هذه الخلفية جاء سؤال المجلة المصرية. كان جواب الرئيس المشير عبد السلام عارف كالتالي: " الشيعة لا يشكلون سوى واحد في المائة من السكان ولا قيمة لهم". نستطيع تلمس الحساسية حيال مسألة النسب السكانية من موقف الدكتور عصام الراوي، عضو هيئة علماء المسلمين، في فضائية الحرة عراق بتاريخ 29/11/2004 في برنامج " بالعراقي " حينما عزى الموقف السلبي من العملية السياسية للسنة العراقيين (حسب كلماته هو) لسببين أحدهما مجئ الأكراد ببرنامج جاهز للفدرالية؛ والآخر تصريح للشيخ جلال الدين الصغير بأن الشيعة يشكلون 70% من الشعب العراقي! 

 

-         12-  بناء على هذه الثقافة الطائفية في الجيش العراقي التي كانت متأصلة فيه منذ تأسيسه ولكنها ظهرت للعلن بشكل فاضح بعد أن تمت تصفيته من العناصر الديمقراطية واليسارية بعد انقلاب 8 شباط 1963؛ ومن ثم، بعد أن أصبح الجيش ممسكا بالسلطة بلا منافس بعد إقصاء البعثيين من الحكم بعد انقلاب تشرين ثاني 1963، ظهرت بموازاة ذلك طائفية المجتمع المدني التي كانت هي الأخرى تأخذ طابع التكتم بشكل ما. لقد أصبحت الثقافة الطائفية علنية وقحة وفجة واستفزازية. أورد قليلا من الأمثلة الدالة:

 

-         12.1-  في برنامج ثقافي في تلفزيون بغداد استهل مدير البرنامج والمسئول في وزارة الثقافة والإعلام السيد سالم الآلوسي الحوار مع الأديب السيد فؤاد عباس بالقول " إن الشيعة يعبدون أئمتهم" فرده السيد فؤاد بالقول " إن الشيعة لا يعبدون أئمتهم". ولعجبي، أصر السيد سالم فكرر القول وأعاد عليه السيد فؤاد ما قاله في المرة الأولى ولكن بصرامة أشد فسكت السيد الآلوسي.

 

-         12.2-  في تلك الفترة العارفية تناولت الصحف التي كانت تسير بخط السلطة التي هيمن عليها العسكريون بشكل مطلق ظهرت مقالات عديدة حررت من قبل عسكريين كبار أو من قبل صحفيين يتحدثون بأسماء العسكريين أو  يعبرون عن آرائهم. لقد كانت المقالات التي ظهرت في تلك الفترة مليئة بالتجريح والإشارات الإقصائية المعهودة كالشعوبيين والعجم وعملاء الدول الأجنبية وغيرها؛ وكانوا يقصدون الشيعة دون أدنى شك. الغريب في الأمر أن الصراع الذي كانوا يتحدثون عنه والذي حسم لصالحهم بمساعدة وكالة المخابرات المركزية في 8 شباط 1963 هو الصراع الذي نشب بعد قيام ثورة 14 تموز عام 1958 والذي اصطف فيه الشعب عموما في جبهتين: جبهة ديمقراطية وأقوى عنصر فيها، بعد حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم، كان الحزب الشيوعي العراقي؛ وجبهة لا ديمقراطية بقيادة حزب البعث والأحزاب القومية. كانت هذه الجبهة اللاديمقراطية تتملق المرجعيات الشيعية والجماهير الدينية الشيعية لاستمالتها إلى جانبها ضد الجبهة الديمقراطية التي أسمتها تكتيكيا ب "الشيوعية". وأمعن اللاديمقراطيون في ديماغوجيتهم فظهرت شعارات عديدة تتحدث عن الوحدة الإسلامية والتكاتف والتآلف وعدم وجود فروقات وشعار "لا سنية ولا شيعية" وغير ذلك من الكلام المعسول الذي انطلى، للأسف، على بعض المرجعيات الشيعية لظنهم بأن ذلك قد ينهي الحالة الطائفية التي كانت ضاربة جذورها في أعماق النظام الملكي منذ تأسيسه. وما أن نجح الانقلاب البعثي ثم الانقلاب العارفي على البعثيين حتى نسيت الوحدة الإسلامية والأخوة. والأغرب أن شتم الشيوعيين، الذي كان مباحا كما كان قتلهم مباحا بلا حساب، قد خف نسبيا لصالح التعرض الإعلامي للشيعة مما يدل على عمق الشعور الطائفي لدى أولئك الحكام العسكريين والجيش ككل.   

 

-         12.3-  في تلفزيون الجمهورية العراقية في تلك الفترة وبمناسبة حلول ذكرى ثورة العشرين عرض التلفزيون برامج عن الثورة ومجرياتها وشخصياتها والقوى الفاعلة فيها فلم ألمس منها سوى أن الشيخ ضاري هو الذي كان الكل بالكل ولم يرد ذكر للقادة الحقيقيين وهم علماء الدين الشيعة في كربلاء والنجف والكاظمية. لقد ازدادت دهشتي من هذا التزوير الفاضح مؤخرا عندما قرأت ما نشره الباحث الدكتور رشيد الخيون في موقع إيلاف بتاريخ 17/6/2004 تحت عنوان " بالفلوجة تباع وتشترى الجنة! لا ضاري هزّ لندن ولا حارث أرّق واشنطن" جاء فيه ما يلي: " أقول لكم، هناك حكايات بطولات محرّفة، حرفها الغاوون الفتوة والشقاوة، فإن حاول الغرباء شحذ همة الفلوجة باسم ضاري الزوبعي، ليعلن حفيده حارث فتى فتيان المرحلة، فضاري الكبير ثوّره ضد الإنكليز إنقاص راتبه ثم قطعه وألفاظ الكابتن لجمن المهينة بحقه، فلا احتلال وطن دفعه ولا يحزنون، وأي لندن هزها ضاري؟ وكذلك كانت الأتاوة التي حرم منها عطية أبو كلل على قافلة تجارية وراء ثورة النجف 1920، فالثائر أبو كلل، حسب تأريخ الشيخ النجفي محمد رضا الشبيبي، كان أول المهنئين للإنكليز بالنصر. وحسب تقارير وشهادات رسمية أن الأنبار قاطبة بما فيها زوبع لم يكن في نيتها الاشتراك في الثورة ضد الإنكليز، فشيخها ضاري كان مكلفا بحفظ النظام في منطقته، الممتدة بين بغداد والفلوجة، وخصص له راتب قدره 750 روبية، لكن قطع الراتب وتصرفات العقيد لجمن الهوجاء، التي تحاكيها حاليا تصرفات الإدارة العسكرية والمدنية في بغداد، هي التي دفعت زوبع إلى الاشتراك بالثورة، فكثيرا ما كان لجمن يوجه الإهانة إلى الشيخ ضاري ويسخر منه، وهذا أمر لا يحتمل بالنسبة لشيخ بدوي ( الوردي، لمحات من تاريخ العراق الحديث). فحصل التعاطف مع فتوى الشيرازي التي أشعلت الثورة في الفرات الأوسط. غير أن عشيرة الدليم هددت، ممثلة بشخص زعيمها علي السليمان، زوبع وزعيمها ضاري من مغبة محاربة الإنكليز من أرض الأنبار، وقال: من أراد الثورة فليذهب إلى بغداد، وإلا قاتلناه. ابتعد الشيخ ضاري بعد فشل الثورة إلى الحدود التركية، ولم يعف عنه ضمن العفو البريطاني 1921 عن المشتركين في الثورة، بل أعلن عن جائزة مغرية لمن يلقي القبض عليه. وبعد سبع سنوات فاز بجائزة القبض على الشيخ ضاري سائق أرميني يدعى ميخائيل كريم، سلمه إلى مركز شرطة سنجار. مثل الشيخ ضاري أمام محكمة تشكلت برئاسة قاض بريطاني وعضوية قضاة عراقيين، وتطوع للدفاع عنه أمجد الزهاوي وأشهر محاميي بغداد آنذاك. حكم عليه بالإعدام ثم خفف إلى المؤبد مراعاة لمرضه وتقدمه بالسن، لكنه مات بعد يوم وعدة ساعات من صدور الحكم عليه في 30 كانون ثاني 1928. ماتت الثورة ومات ضاري وعاشت قاعدة سن الذبان الجوية البريطانية بالأنبار، لينشأ هناك قريبا من الحبانية حي غربي بمعنى الكلمة، تقابلها قاعدة الشعيبة الجوية بالبصرة".

 

-         13-  عوتب الرئيس المشير عبد السلام عارف على سفك الدماء والضحايا العراقية التي تسقط في مقاتلة حركة الشعب الكردي الوطنية؛ فرد الرئيس مطمئنا زملاءه " لا تهتموا. عبد علي وكاكه حمه يتقاتلان"، أي جعلنا الشيعة والأكراد يتقاتلان !

 

-         14-  كان للسيد خير الله طلفاح، محافظ بغداد وخال صدام حسين وكبير عشيرة ألبو ناصر التي كان ينتمي إليها الرئيس أحمد حسن البكر، تصريح، مماثل لتصريح المشير الرئيس عارف السابق، أثناء الحرب العراقية الإيرانية تناقله العراقيون. لقد وضع السيد طلفاح، الذي لقبه العراقيون بعراب الحزب والنظام لنفوذه الواسع، ستراتيجية لوجيستية لمدّ الحرب بالعنصر البشري بقوله " هدّ كلابهم عليهم " أي (أرسل كلاب الإيرانيين وهم شيعة العراق ليقاتلوا الإيرانيين الشيعة!) بقي أن نعلم أن هذه الثقافة الطائفية لدى السيد طلفاح لم تكن وليدة الحقبة البعثية بل كانت متأصلة فيه منذ نشأته وصيرورته ضابطا في الجيش العراقي وفصله من الخدمة بعد حركة رشيد عالي الكيلاني التي اتجهت نحو ألمانيا النازية في مستهل أربعينات القرن الماضي.

 

 انا لم أعثر على سند رسمي لتصريح السيد خير الله طلفاح هذا ولا لتصريح الرئيس عبد السلام عارف في الفقرة السابقة غير أن هذا الغياب متوقع جدا إذ أن الصحافة والحريات العامة في العهد الطغموي في العراق كانت محاصرة لأبعد الحدود ولا يتوقع أن تنشر مثل هذه التصريحات الخطيرة. ولكن، حتى لو افترضنا عدم مصداقية تلك التصريحات أي أنها لم تقل، فماذا يعني انتشارها على كل لسان تقريبا في العراق؟ هل بسبب دعايات "المشاغبين"؟ غير معقول لأن العراقيين أوعى من ذلك. بقي الجواب هو أن الجماهير العراقية لها حاسة شم قوية تلتقط موقف هذا وذاك من المسئولين وتصوغه بطريقتها التعبيرية المناسبة. مثال حديث على التعبير الشعبي: لما بدأ السفير زلماي خليل زاد يلمح إلى وجود طائفية في وزارتي الداخلية والدفاع بغير وجه حق إلا لإثارة فتنة طائفية و محاولة تحويل "حالة الطغمة" إلى "حالة طائفية" التقطها إبن الشارع العراقي البسيط وبدأ يصف السفير ب "السفير المرواني" نسبة إلى مروان بن الحكم الذي أراد إثارة فتنة بين المسلمين عندما حوصر منزل الخليفة عثمان بن عفان من قبل الجماهير الثائرة؛ وجهود الخيرين للتهدئة كانت قائمة على قدم وساق وإذا بمروان يرمي بسهمه أحد الثائرين فيقتله ليزداد حنق الجماهير ويقتل عثمان وتقع الفتنة الكبرى.        

 

-         15-  في رحلته الأخيرة إلى مدينة البصرة التي لم يعد منها إلى بغداد لوفاته في حادث سقوط المروحية التي كان على متنها مع بعض زملاءه بسبب سوء الأحوال الجوية، ألقى الرئيس عبد السلام عارف خطابا في حشد من الناس. قال في الخطاب لأهل البصرة: "يقولون عنكم أنكم أشباه رجال وأنا أقول إنكم رجال ونصف". هذه بالطبع إشارة انتقادية لخطاب للإمام علي بن أبي طالب حين خاطب فريقا من الناس المتقاعسين عن الحرب ووصفهم بأشباه الرجال في ظروف وملابسات ليست بالسياق الذي ذكره الرئيس. وإذا أخذنا بالاعتبار أن الغالبية العظمى من أهل البصرة هم من الشيعة يظهر جليا أن أسلوب الخطاب كان استفزازيا لمشاعر الجماهير وتحديا لهم، لأن الأسلوب كان أقرب إلى التهكم منه إلى المناقشة الجادة التي لا أعتقد أن هناك من يعترض عليها، علما أن للإمام علي مكانة خاصة في نفوس العراقيين شيعة وسنة وغير مسلمين وعلمانيين ديمقراطيين وشيوعيين. بالمناسبة هذا الخطاب سمعناه يذاع حيا في وسائل الإعلام.

                      

-         16-  في الحلقة الخامسة من كتاب " مذكرات ناصر الحاني الوهم والحقيقة في انقلاب 17 تموز 1968" المنشورة في موقع صحيفة الزمان بعددها المرقم 1572 بتاريخ 2/8/2003 كتب السيد عبد الإله الفكيكي ما يلي بشأن محاولة تشكيل وزارة بعد نجاح الانقلاب المزمع تنفيذه ضد حكومة عبد الرحمن عارف ومحاولة ضم السيد ناجي طالب وزميله وحليفه السيد رجب عبد المجيد: " ... وأن البكر قام بالاتصال برجب عبد المجيد عن طريق الدكتور عزت مصطفى (والاثنان من مدينة عنه) حيث عرض عليه الأمر.. إلا أن (رجب) اشترط مشاركة زميله الأستاذ ناجي طالب معه على أن يكون نائبا لرئيس الجمهورية أي نائبا للبكر..! وقد أثار هذا الاقتراح حفيظة البكر الذي رد على رجب بأنه لا يعترض على دخول ناجي طالب ضمن المجموعة الوزارية إلا أنه يرفض اقتراح تعيينه نائبا للرئيس لأن هذا سيشكل (سابقة..!) في أن يكون نائب الرئيس شيعيا وهذا غير مقبول؟؟ وقد أيد الأستاذ ناجي طالب ذلك لنا شخصيا .." .

                                                   

-         17- حدثني صديق ثقة، دمث الأخلاق، اسمه على وزن (عبد الحسين) ( وهو اسم رمزي استعمله لأنني لم استأذنه لنشر هذه المعلومة) قائلا بأنه قدم ملفه في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف للالتحاق بالكلية العسكرية. وقف الصديق مع المتقدمين الآخرين للمقابلة وكان ضابط الصف ينادي أسماء من تأتي أدوارهم للمثول أمام لجنة عسكرية من كبار الضباط لإجراء المقابلة. ما أن حل دور صاحبنا ونادى رئيس العرفاء اسمه أي (عبد الحسين) وهمّ هذا بالدخول وإذا بصوت عال من اللجنة، ولا يمكن أن يكون إلا من رئيسها، يصيح بالعريف " شنو ؟! عبد الحسين؟! إعبره إعبره؛ عبد الحسين عبد الحسن هاي هاي !!". وما كان من الصديق عبد الحسين إلا أن قفل راجعا إلى بيته بخفي حنين. حدثني الصديق عبد الحسين، الذي أصبح مهندسا فيما بعد، بهذه الحكاية خلال السنين الأولى من حكم حزب البعث أي في مستهل سبعينات القرن الماضي وكان عبد الحسين حزبيا بعثيا. وكان قصده من رواية الحادثة التنويه بأن حزبه، أي حزب البعث، سيقضي على هذه الظاهرة الطائفية. ولكن ما أن مرت بضع سنين إلا وأعدم أحد أقارب عبد الحسين وكان قياديا في حزب البعث وهو ناظم كزار ذي الأسم الرهيب في أذهان العراقيين المرتبط بابشع أنواع التعذيب والقتل. غير أن الباحث حسن العلوي، المعتز بكونه قوميا وبعثيا إلى يومنا هذا، ذكر أن هذه السمعة عن ناظم كزار ملفقة من قبل صدام وبطانته وأن كزار مظلوم في أمور أخرى تنسب إليه زورا. بقي أن نعلم أن ناظم كزار أعدم بعد تقطيع أوصاله في القصر الجمهوري لأنه انتفض على استئثار التكارتة من أقارب ومعارف خير الله طلفاح وأحمد حسن البكر وصدام حسين بالحزب والدولة. ( ينسجم هذا الاستئثار مع ما أفاد به السيد صلاح عمر العلي، والإفادة موضحة في مكان آخر من الكتاب، من أن السيد خير الله طلفاح أقنع الرئيس أحمد حسن البكر بضرورة جعل الحكم عائليا قبليا وجعل حزب البعث العربي الاشتراكي حزاما أمنيا إضافيا، ليضمن الاستقرار للحكم على غرار نظم المنطقة)

.

-         18- صرح الدكتور صالح المطلك بتاريخ 6/4/2005 في فضائية الحرة بأن جيش صدام غير طائفي. وما يكاد يخلو تصريح من تصريحات الطغمويين حول الوضع الأمني في البلاد من مطالبة بإعادة الجيش وقوى الأمن السابقة إلى الخدمة. إن هذا بحد ذاته يشير إلى هوية تلك الأجهزة.

 

-         19- وأخيرا ومن باب الإنصاف لابد من إدراج الآراء المناقضة التي نفت وجود طائفية على الصعيدين المدني والعسكري. ولم أجد أكثر تعبيرا وإرتكازا على الحجج، بدلا من سوق الكلام دون سند، من السيدين المرحوم مجبل الشيخ عيسى والدكتور حميد عبد الله. فقد ظهرا في برنامج "برج بابل" في فضائية الحرة المنوه عنه في بداية الفقرات أعلاه والذي أداره السيد عماد الخفاجي بتأريخ 21/7/2005. طرح السيد عماد مقدمة وإحصائيات سبقت الإشارة إليها في البند الرابع . كما طرح الدكتور علي الأديب، القيادي في حزب الدعوة الإسلامية، بياناته وحججه بشأن الطائفية وطرح بعض الحضور مزيدا من المعلومات والإحصاءات.

قال المرحوم مجبل الشيخ عيسى: إذا أردنا أن نبحث أي موضوع فيجب تقديم البينة. ظهرت الطائفية عند ظهور المحاصصة ومجلس الحكم حيث أعطيت الأكثرية للشيعة. حزب البعث والجيش من الجنوب. لم يكن هناك أي تمييز بين السنة والشيعة إطلاقا. هل حظي محمد الصدر بغير الاحترام؟ لم تكن هناك محاصصة. كم كان من إخواننا أهل الجنوب متعلمين؟

أما الدكتور حميد عبد الله فقد قال بأن مهدي الخالصي ومهدي الحيدري من مؤسسي الدولة العراقية لم يتحدثا عن الطائفية. في حركة رشيد عالي الكيلاني ذهب السيد محمد الصدر بنفسه للدفاع عن القصر الملكي. كل الاحتلالات تريد تمزيق الشعب. أراد عبد السلام عارف أن يزيل الخلافات مع المرجعية المتمثلة بالسيد محسن الحكيم. إلا أن الحكيم أجابه بأنه سيصدق بعدم وجود طائفية عندما لا يكون على رأس مجلس الخدمة فقط عمر وعثمان. فأجابه عبد السلام بأن رئيس مجلس الخدمة آنئذ هو عبد الحسين.