عاجل
الموسوعة الخبرية الاولى في العراق تأسست عام 2000 م

إشراقات تربوية في وصية الإمام الحسن العسكري عليه السلام إلى شيعته
أضيف بواسـطة
النـص : إشراقات تربوية في وصية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) إلى شيعته د. الشيخ عماد الكاظمي إنَّ حقيقة الاعتقاد بإمامة الأئمة (عليهم السلام) ومحبتهم هو طاعتهم، وﭐتباعهم، والتمسك بما ورد عنهم من تعليمات، ونصائح، والعمل بها؛ ليكون الاعتقاد صادقًا في طاعتهم وولايتهم، مطابقًا في القول والعمل، فضلاً عن الامتثال لأوامر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ ( )، ومن أهم ما ورد عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وصية مباركة شريفة إلى شيعته ومحبيه، وقد ﭐمتازت هذه الوصية بتعليمات مهمة لها أثر في الواقع، ويمكن أنْ يرى آثار ذلك أي إنسان بأدنى تأمل، وفي ذلك وضوح الرسالة الإسلامية في دعوتها إلى تهذيب النفس وتربيتها، وإلى السلم والتعايش السلمي بين الناس عامة، وبين المؤمنين خاصة؛ لأنهم (عليهم السلام) ﭐمتداد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسالته العالمية التي بُعِثَ بها ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ( )، فالآية المباركة تؤكِّد أنَّ الحجة الإلهية في الأرض هو رحمة للعالمين، ولم تخص المؤمنين من دون غيرهم، وإنْ كانوا هم أشرف المخاطَبين، وفي هذا أيضًا صورة من صور التعايش السلمي الآمن للبشرية، والأئمة (عليهم السلام) هم ﭐمتداد لرسالة النبي العالمية، فكانوا المثال الأمثل للسلم كما كتب لنا التأريخ ذلك، وهذا ما يمكن أنْ نقرأه في تعاليمهم ووصاياهم التي تحث على ﭐحترام الإنسان وتكريمه، والحفاظ عليه من الانحراف العقائدي والأخلاقي. ووصية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) هي إحدى تلك المحطات الإنسانية التي حفظها لنا التأريخ الإسلامي، وما فيها من مفردات عظيمة تؤكد منهج الثقلين –القرآن والعترة- في أداء رسالة خلافة الإنسان في الأرض، ونشر المبادىء العظيمة السامية، ونحاول عرضها على فقرات للاطلاع عليها والعمل بها إنْ شاء الله تعالى، وهي في (14) فقرة، أحاول بيان خمسة من باختصار، وذكر الأخريات إجمالاً كالآتي: 1- تقوى الله. وما فيه من آثار في الدنيا والآخرة. فالتقوى هي ((جَعْلُ النَّفْسِ فِيْ وِقَايَةٍ مِمَّا يَخَافُ، وَصَارَ التَّقْوَى فِيْ تَعَارُفِ الشَّرْعِ حِفْظُ النَّفْسِ عَمَّا يُؤثِمُ، وَيَتُمُّ ذَلِكَ بِتَرْكِ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ)) ( )، وهي من أعظم الصفات التي ينبغي للمؤمن أنْ يصل إليها، فهي السبيل التي يكون الله فيها مع عبده، قال تعالى: ﴿وَﭐعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾( )، وهي سبيل حب الله تعالى، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ( )، وبها يتقبل الله دعاء عباده، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾( )، ومما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان مقام التقوى: ((شَرَفُ الدُّنْيَا الْغِنَى، وَشَرَفُ الْآخِرَةِ التَّقْوَى))( )، وقال الإمام علي (عليه السلام: ((سَبَبُ صَلاحِ الْإِيْمَانِ التَّقْوَى))( )، وغيرهما من الروايات الشريفة التي أكدت على أنَّ التقوى حصون الدين، ودواء القلوب، والعروة الوثقى وغيرها من الفضائل. 2- الورع في الدين. وما فيه من آثار في الدنيا والآخرة. إنَّ الورع هو أخص من التقوى، وهو ((التَّحَرُّجُ، تَوَرَّعَ عَنْ كَذَا أَيْ تَحَرَّجَ، وَالْوَرِعُ بِكَسْرِ الرَّاءْ الرَّجُلُ التَّقِيُّ الْمُتَحَرِّجُ، وَهُوَ وَرِعٌ بَيِّنُ الْوَرَعِ، وَالْوَرَعُ فِيْ الْأَصْلِ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالتَّحَرُّجُ مِنْهُ)) ( )، وهي منزلة عظيمة لا ينالها الإنسان إلا بالعمل الجاد الدؤوب، والمراقبة الشديدة للنفس، وفي بيان مقام الورع قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أَفْضَلُ دِيْنِكُمُ الْوَرَعُ)) ( )، وعن الإمام علي (عليه السلام): ((عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ، فَإِنَّهُ لا يَنَالُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِالْوَرَعِ)). ( )، وقد أكَّد الأئمة في وصاياهم على الورع كثيرًا، فمما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله لخيثمة: ((أَبْلِغْ مَوَالِيْنَا السَّلَام عَنَّا، وَأَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللهِ الْعَظِيْمِ .... وَلَنْ يَنَالُوْا وِلَايَتَنَا إِلَّا بِوَرَعٍ)) ( )، والورع أساس التقوى، وسبب صلاح الدين، وصلاح النفس وغيرها من الفضائل. 3- الاجتهاد لله تعالى. وما فيه من جهاد للنفس وﭐستعداد للتضحية في سبيله. إنَّ الاجتهاد من بذل الجهد والعمل المتواصل، وهو: ((الْمَشَقَّةُ، وَالطَّاقَةُ، وَالْجَهْدُ مَا جَهَدَ الْإِنْسَاُن فِيْ أَمْرٍ شَاقٍّ) ( )، ويراد به بذل الوسع للقيام بعمل ما، وهذا يدل على مدى الاستعداد الذي يجب أنْ يكون فيه الإنسان تجاه تعاليم الله تعالى، وإيثار ذلك على طاعة النفس، وفيه يكمن الجهاد الأكبر للنفس، ولا يكون الإنسان مجتهدًا إلا إذا كان مراقبًا لنفسه، مجاهدًا لهواه عن حب الدنيا ولذاتها، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾( )، وجهاد النفس من أعظم الأعمال التي لها أثر في التربية الفردية والاجتماعية، وهذا ما أكدته كثير من الروايات الشريغة، ففي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((حَاسِبُوْا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوْا، وَزِنُوْهَا قَبْلَ أَنْ تُوْزَنُوْا، وَتَجَهَّزُوْا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ)) ( )، وعن الإمام علي (عليه السلام): ((طَاعَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ لا يَحُوْزُهَا إِلَّا مَنْ بَذَلَ الْجِدَّ، وَﭐسْتَفْرَغَ الْجُهْدَ)) ( )، فالاجتهاد يحتاج إلى معرفة وجهاد دائم، وله علاقة وثيقة بالورع كما روي في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((لا يَنْفَعُ ﭐجْتِهَادٌ لا وَرَعَ فِيْهِ)). ( ) 4- صدق الحديث. وما فيه من آثار أخلاقية عظيمة على الإنسان وتربيته. إنَّ الصدق معروف لا يحتاج إلى تعريف وهو يقابل الكذب، وقد ورد في بيانهما: ((الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ أَصْلُهُمَا فِيْ الْقَوْلِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا، وَعْدًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ، وَالصِّدْقُ مُطَابَقَةُ القَولِ الضَّمِيْرَ، وَالْمُخْبِرَ عَنْهُ مَعًا، وَمَتَى ﭐنْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ صِدْقًا تَامًّا، بَلْ إمَّا أَنْ لا يُوْصَفَ بِالصِّدْقِ، وَإِمَّا أَنْ يُوْصَفَ تَارَةً بِالصِّدْقِ، وَتَارَةً بِالْكَذِبِ عَلَى نَظَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ)) ( )، والشريعة الإسلامية المقدسة قد حثت على ضرورة التمسك بهذه المفردة من مفردات منظومة التكامل التربوي الإنساني، وقد وردت آيات شريفة في بيان مقام الصدق، قال تعالى في بيان دعاء الأنبياء: ﴿وَﭐجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ ( )، وقال تعالى في بيان عظمة ومقام الصادقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﭐتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ( )، والروايات الوارد في بيان مقام الصدق كثيرة وعظيمة، فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((الْجَمَالُ صَوَابُ الْقَوْلِ بِالْحَقِّ، وَالْكَمَالُ حُسْنُ الْفِعَالِ بِالصِّدْقِ))( )، وروي عن الإمام علي (عليه السلام): ((الصِّدْقُ رَأْسُ الْإِيْمَانِ، وَزَيْنُ الْإِنْسَانِ)) ( )،إنَّ هذه الرواية تؤكد علاقة الصدق بالإيمان وما يترتب على ذلك من سلوك فردي وجماعي، وعلاقته بالإنسان بصورة عامة. 5- أداء الأمانة إلى جميع الناس. وما في من آثار أخلاقية على الفرد والمجتمع. إنَّ الشريعة الإسلامية المقدسة قد حثت على أهمية الالتزام بأداء الأمانة، من خلال القرآن والسنة الشريفة، حيث قال تعالى في بيان صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ( )، فيجب أنْ يكون الإنسان المؤمن من المُراعين لحق الأمانة وما يتعلق بها، والإمام الحسن العسكري (عليه السلام حينما يذكِّر ذلك فإنَّما يؤكِّد على أهمية تلك المناقب، بل عدت هذه المنقبة مقياس الإيمان والتفاضل، فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((لا تَنْظُرُوْا إِلَى كَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ وَصَوْمِهِمْ، وَكَثْرَةِ حَجِّهِمْ، وَالْمَعْرُوْفِ، وَطَنْطَنَتِهِمْ بِالَّليْلِ، وَلَكِنِ ٱنْظُرُوْا إِلَى صِدْقِ الْحَدِيْثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ)) ( )، وروي عن الإمام علي (عليه السلام): ((أَدُّوْا الْأَمَانَةَ وَلَوْ إِلَى قَتَلَةِ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)) ( )، وفي هذا كمال التربية الإنسانية التي يُدعى إلى التخلق بها في مكارم الأخلاق. فلو تأملنا في هذه الموضوعات التربوية (التقوى)، (الورع)، (الاجتهاد)، (صدق الحديث)، (أداء الأمانة)، ارأينا حقيقة المنهج التربوي الفردي والاجتماعي الذي تؤكد عليه هذه الوصية المباركة في فقرات معينة منها، فهذه العلاقات الخمس تنظم العلاقة بين العبد وربه، وبين العبد ونفسه، وبين العبد والآخرين، وهذا هو صراط التكامل التربوي والأخلاقي. ومما ورد إجمالاً في بيان إشراقات هذه الوصية: 6- طول السجود. كناية عن المحافظة على الخضوع والخشوع في الصلاة والمحافظة عليها. 7- حسن الجوار. وفيه ما فيه من الآثار الاجتماعية العظيمة، وعظمة ما أوصى به النبي. 8- التواصل مع الآخرين. (الصلاة معهم + حضور الجنائز + عيادة المريض + أداء الحقوق. 9- الدعوة إلى أهل البيت (عليهم السلام). وفي ذلك شرف للإنسان في الدنيا والآخرة. 10- المحافظة على حق الأئمة (عليهم السلام). بالاطلاع على حقوقهم ونشرها والعمل عليها. 11- الإكثار من ذكر الله تعالى. وما فيه من كرامة الإنسان في ذكر محبوبه وسيده على الدوام. 12- الإكثار من ذكر الموت. وما فيه من مراقبة الإنسان والتفكر في حياته، وما سيذهب إليه. 13- الإكثار من تلاوة القرآن. وما فيه من الاستماع إلى تعاليم الله عز وجل وأثره في تزكية النفس. 14- الإكثار من الصلاة على محمد وآل محمد. وما فيه من العلاقة بالأئمة (عليهم السلام) وﭐستذكار مقامهم وشرفهم وكرامتهم. في الختام فلنتأمل في قوله: فإنْ قيل هذا شيعي فيسرني ذلك!!
تاريخ الإضافـة 13/11/2018 - 18:15