الموسوعة الخبرية الاولى في العراق تأسست عام 2000 م

المحاصصة الناعمة لا تداوي الجرح العراقي
أضيف بواسـطة
النـص : المحاصصة الناعمة لا تداوي الجرح العراقي د.ماجد السامرائي البداية اعلامية اعلانية واستخدام مفاجئ للانترنيت من قبل رئيس الوزراء المكلف ( عادل عبد المهدي ) عبر موقع إعلامي تلقى طلبات أكثر من خمسين ألف عراقي لشغل منصب وزير في حكومته المقبلة ,صفيت القائمة الى ستمائة متقدم . ويبدو إن هذه الخطوة الشفافة لم تلق ترحيباً من قبل الأحزاب التي لم تتعض من درس الفشل وعقوبة الناس لها في الانتخابات ,فيما وجدها آخرون خروجاً عن القوالب السابقة , وتسربت أنباء كثيرة على أن الأحزاب "دسّت " بعض الأسماء من خلال هذه النافذة للتحايل على الدخول من الباب , هذه التجربة تمزج ما بين الخيال السياسي والاعتراف الجقيقي بالمأزق السياسي وهو هيمنة الأحزاب على مسار العملية السياسية وحكوماتها , وإن تلك الأحزاب تدعي انها تنازلت عن تسمية رئيس الوزراء من داخل أحزابها ,ويقال إن عبد المهدي قد فرض على الأحزاب باتفاق بريطاني إيراني ورضى أمريكي ومصادقة المرجعية الشيعية . ما يهم هذه الأحزاب ليس الاعلان الإلكتروني وإنما استعادة الهيمنة عبر قوائم الوزراء التي قدموها لعبد المهدي رغم اعلانهم الشكلي بأنه حر في الاختيار والحقيقة هي إنهم قبلوا الخسائر لصالح رغبات ( عبد المهدي) الغير بعيد عن بيت " الاسلام الشيعي " بل هو في قلبه في استيزار عدد محدود من الكفاءات خارج الأحزاب وبواسطة الموقع الألكتروني , والاحتمال المتوقع هو تجديد صيغة القسمة في الحكم بين الكتل الشيعية النافذة ( الاصلاح والبناء ) بأعداد أقل ولكن بفعالية أكثر أي أن تكون الولاية لهاتين الكتلتين في ترشيح الوزراء " السنة " بعد أن نجحوا في ترشيح وانتخاب رئيس البرلمان السني , مع احتفاظ الأكراد بخصوصيتهم المقبولة عبر " الاتحاد الديمقراطي الكردستاني " ,فما الذي تغيّر ؟ وأين شعارات هجر الماصصة الطائفية , المتغير شكلي وهو الانتقال الى المحاصصة " الناعمة" فلم يعترف قادة تلك الأحزاب بالفشل السياسي , وهم ما زالوا قلقين حول مصير أزلامهم من الفاسدين لأن مقابل مرونتهم مع رئيس الوزراء الجديد لن يقبلوا مداهمة محتملة لأوكار الفساد الرئيسية , وسيتركون له العنان في خطابات الاصلاح والتغيير والاسترشاد بالمرجعية والتوافق مع مقتدى الصدر , فقد سبق وأن سمعوا مثلها في زمن حيدر العبادي , المهم الحفاظ على مرتكزات النظام السياسي وبأيديهم , هذا الذي كانوا يخشونه من عزوف الناس عن الانتخابات المزورة , لكنهم حافظوا على السلطة في حدودها الدنيا , وهذا ما كان يخشونه من حركة الاحتجاج الشعبي في بغداد وجميع المحافظات خاصة في السنتين الماضيتين وآخرها " انتفاضة " أهل البصرة على تلك الأحزاب التي قدمت إنجازاتها في عطش الناس وجوعهم وبطالتهم , هناك مساحة كبيرة للمرونة مع ( عادل عبد المهدي ) يتصرف بها قادة الأحزاب , وهم يتندرون فيما بينهم حول عدم تأثير ذلك على مكانتهم ونفوذهم , منها حركة العلاقات العامة والشعبوية التي يقوم بها من بينها اقتراحه على البرلمان بأن تفتح " المنطقة الخضراء " للمواطنين , مع إن هذه المنطقة قد اخترعتها قيادة الاحتلال الأمريكي وأعجبت بها قيادات الأحزاب والحكومة لأنها حمتهم من الجمهور العراقي الغاضب , ولهذا فإن قرار فتح المنطقة ذات السمعة السيئة المرتبطة بالمحتل من اختصاص القائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس الوزراء العراقي , إضافة الى إيحائه بأن يكون هناك تفاعل بين السلطات الثلاث " التشريعية والتنفيذية والقضائية " فقرر أن يكون له مكتب داخل بناية البرلمان , رغم إن القانونيين اعترضوا على ذلك لمخالفته البند الدستوري في الفصل بين السلطات الثلاث , وكذلك يجد قادة الأحزاب الشيعية عدم وجود ضرر بتلك العلاقة الشخصية الحميمة بين رئيس الوزراء وبين رئيس الجمهورية ( برهم صالح) الذي هو الآخر يتحرك خلال هذه الفترة بدينامية اعلامية لتمييز نفسه عن سابقه ( فؤاد معصوم ) وللتعريف عن نفسه بين الفعاليات الرسمية مع إن محددات الدستور تضع لهذا المنصب صفة رمزية لا يتجاوزها الى التنفيذ العملي والذي هو العلة الحقيقية في العراق , فالعراقيون ليسوا بحاجة الى أن يملأوا آذانهم بالكلام الجميل حول وحدة العراق ,أو سماع الكلام الذي لا يعجبهم حول الإنحياز المخلص لإيران التي خربت العراق وما زالت تخرب شعبه وتدمر ثرواته. لكن ( برهم يرهم ) مع عبد المهدي . المشكلة ليست بهذه المقدمات الشكلية المغايرة للتقاليد السابقة في شكليات الحكومة , إنما في المواجهة الحقيقية لجهاز الدولة العراقية المنخور والمخرّب من " رأسه الى كعبه " لمدة خمسة عشر عاماً , ليس في كوادره من الوزير الى آخر فراش , وإنما في غياب جميع تقاليد الدولة التي كان الموظف يفتخر إنه يذهب في الصباح الى دواوينها ومرافقها ,ويعشقها لأنها انعكاس لحب الوطن , ليحلوا فيها ويرتقوا مواقعها مزوروا الشهادات والمتعالون عن الناس تحت أغطية كثيرة منها إنهم من أصحاب الخدمات " الجهادية" ضد النظام السابق أو منتسبون لحزب الدعوة أو أقرباء لهذا المعمم أو ذاك و أو في بيع وشراء الوزارات في سوق النخاسة , ألم يعرف عبد المهدي ومعه جميع قادة الأحزاب بأن الوزارات تحوّلت الى " مكبّات " للمتخلفين المتحصنين بأحزابهم. وإن كانت لدى عادل عبد المهدي حسب البعض مواصفات أولية شخصية تشجع على التفاؤل , لكن هل سيتمكن من اختراق المحاصصة " الناعمة " أم سيتوافق معها , وهل سيتمكن من إحداث ثورة سياسية وإدارية من الجذور ويخلص جهاز الدولة من هذا الوباء المدمّر , فليس كافياً أن تطهّر يديك بالمعقمات والقيروسات تملأ المحيط ,وهناك أولويات تمهد لخطة الاصلاح العام تبدأ مما لم يقدر عليه حيدر العبادي في كشف اخطبوط الفساد الذي نهب أموال شعب العراق واحالة الرؤوس الى القضاء ,وغلق جميع النوافذ التي يتسلل منها الفاسدون باجراءات مهمة مثل عدم فسح المجال لنشاط اللجان الاقتصادية الحزبية وتسللها للوزارات , وهو يعلم إن الوزارات " الدسمة" تتكالب علبها وتتقاسمها الأحزاب والكتل السياسية تحت باب " الاستحقاق الانتخابي " ,قادة الأحزاب يدفعون الآن بمنتسبيهم وأنصارهم ممن تدربوا على فنون الفساد والسرقة الى مناجم المال بعد أن ضموا بعض الزعامات السنية اليهم رغم المأساة الكبيرة التي يعيشها أبناء العراق من الموصل الى البصرة , ولعل الترجمة العملية لخطوة الاعلان عن طلب وزراء عبر الأنترنيت هي في قدرته على إلزام الوزراء بفتح الوزارات للمواطنين في المعاملات أو التعيينات للكفاءات في مختلف المناصب وحتى درجة مدير عام , وتحريم " التزكيات والوساطات " الحزبية . هذه إجراءات أولية لمنع تفاقم المرض على مستوى التحضير لبناء دولة مؤسسات اصلاحية , أما خضوعه للعبة الجديدة في المحاصصة " الناعمة " وتغطية ذلك ببعض الإجراءات الشكلية فسيكرر عادل عبد المهدي سياسة سلفه حيدر العبادي .
تاريخ الإضافـة 16/10/2018 - 11:03