عاجل
الموسوعة الخبرية الاولى في العراق تأسست عام 2000 م

ثوب المحاصصة الجديد لا يناسب العراقيين
أضيف بواسـطة
النـص : ثوب المحاصصة الجديد لا يناسب العراقيين د.ماجد السامرائي يبدو شكليا ان قواعد لعبة المحاصصة الطائفية التي تتم وفقها شراكة السلطة قد تغيّرت بعد الضجيج السياسي والاعلامي الذي أصم الأسماع في الشهور الأخيرة خلال الحملة الانتخابية , ولكن الوقائع الأخيرة في عملية انتخاب رئيس البرلمان ( محمد الحلبوسي ) ونائبيه يوم السبت الماضي كشفت إن قانون المحاصصة الطائفية لم يتبدل , مجلس النواب للسنة ورئيس الوزراء للشيعة ورئيس الجمهورية للأكراد . لكن الذي حصل بعد انتخابات الثاني عشر من ( مايو الماضي) التي أصابها التزوير وولدت مريضة ضعيفة مرتبكة قد أفرزت تعاطياً مختلفاً من قبل الأحزاب الكبيرة لتقليل آثار الثورة الشعبية ضد الفساد والظلم والذي وصل الى درجة أن يسقى أهل البصرة بالملح القاتل مذاباً بالماء , حيث راجت شعارات وعناونين " الأغلبية السياسية والأغلبية الوطنية والفضاء الوطني " وكأن العملية السياسية مقبلة على تغييرات جوهرية في السلطة السياسية , حتى شعر المواطن العراقي بنسمات كاذبة من الأمل تلامس بعض حواسه الخارجية ولم تدخل الى أعماقه , وأراد أن يجرّب صدقيتها فانتظر ما تنتجه خيارات أولى دوائر الحكم وهي السلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان كخطوة على طريق انجاز الصفقات الداخلية والرسائل المتبادلة الايرانية الأمريكية غير المباشرة لاختيار رئيس الوزراء المقبل , فاختلطت على المواطن البريئ الصور , فكيف يفسر انقسام " السنة " الى قرابة عشر مجموعات بعد أن كانت موحدة في السنوات الأولى من العملية السياسية تحت راية واحدة هي ( جبهة التوافق ) التي تصدرها الحزب الاسلامي " الاخوان المسلمون " , وكانوا يقدمون للتحالف الشيعي مرشحاً واحداً لرئاسة البرلمان , وكيف يستطيع هذا المواطن العراقي المخدوع أن يفسّر وفي أي موقع يضع الصراخ السابق لممثلي ( العرب السنة ) من ظلم السياسيين الشيعة ومن خلفهم إيران بتهميشهم , بل وبمطاردتهم تحت عناونين " الإرهاب ودعم داعش" ثم يتمحورالقسم الكبير منهم داخل الفريق الشيعي المدعوم من إيران الذي يقوده ( العامري ) ليحصلوا على منصب رئيس البرلمان الذي احتدمت المعركة السنية حوله في الأيام الأخيرة أمام مرشح الفريق الشيعي الذي يقوده الصدر وهو ( خالد العبيدي ) فأين المصداقية في كل ذلك ,وهل كانت كل تلك الشعارات قد تم تسويقها لأغراض المناصب والمغانم , وإن القضية لاعلاقة له بمصالح العرب السنة الذين ظلوا فقراء جائعين , بل وزادتهم " داعش" تشريداً وآلاماً . لقد قيل الكثير عن إغواءات الجنرال ( قاسم سليماني ) لجزء غير قليل من السياسيين السنة , وبعضهم كان يعلّق على هذا الأمر وكأنه يكتشف العجلة بأن إيران شريك مؤثر الى جانب الأمريكان في صناعة الأركان الثلاثة للسلطة في العراق , بل إن واحداً من القادة السنة تحدث الى قناة تلفزيونية مستنكراً على (بريت ماكغورك ) طريقته في المفاوضات مع الزعماء السنة , قائلا: ماكغورك لم يقدم لنا شيئا بديلا لما يمكن أن يقدمه لنا الايرانيون .. نحن نريد شيئاً ملموساً لكي نتمكن الاختيار" وقد قيل إن ممثل القيادة الإيرانية قد أخبرهم بأن إيران أفضل لهم من امريكا . فالقضية هي أقرب للعروض التجارية منها الى قضية شعب ووطن جريح بحاجة الى رجال وقادة ينقذونه , كما إن اللعب الرخيص والانتهازية والتقلب السريع في المواقف بين الكتل والقوائم والأفراد لا ينم عن الحدود الدنيا في السياسة والاخلاق . وما جرى على هامش عملية انتخاب رئيس البرلمان الجديد يشير الى أن مسلسل التزوير والتحايل وتمرير الفاسدين للمواقع السياسية العليا لم تغلق أبوابه , لقد أطلقت أوصاف من قبل الخاسرين تجاه الرابحين تكشف عن الوجه الآخر للمثلث السني في العملية السياسية كوصف " إنه تم شراء المنصب بمبلغ 30 مليون دولار " أو غيرها من الاتهامات , وإذا ما صدقت تلك الاتهامات عبر الدلائل فإن ذلك سيدخل البرلمان في مأزق خطير . وبغض النظر عن شخصية رئيس البرلمان الجديد بكونه من جيل الشباب وقد يكون طامحاً في العمل النشيط والاصلاح الذي يتحدث به جميع السياسيين , فلم يعترف أحد من الأجيال الانتخابية الثلاثة السابقة بالفشل , ولم تتمكن هذه " القوة البرلمانية " المزعومة أو رؤساء السلطة التنفيذية من تحديد الفاشلين واحالتهم للقضاء بكونهم سرقوا أموال العراقيين . فعمر رئيس البرلمان الجديد الشبابي لا يغيّر من كونه جزءاً من منظومة سياسية هرمت وترهلت ونخرت بالفساد وحكم عليها الشعب بالفشل وخصوصاً شباب البصرة الذين شكلوا بانتفاضتهم حلقة منيرة تضاف الى ميراث العراقيين . هذه المنظومة قائمة ومستمرة على أساس التوافق في شراكة السلطة , ويقال إن كتلة " سائرون " قد توافقت مع كتلة " البناء" على تعيين النائب الأول لرئيس البرلمان منها في صفقة توافق ,أما اذا ما حصل انتقال كتلة ( سائرون ) بقيادة مقتدى الصدر الى المعارضة البرلمانية , فذلك سيكون مؤشرا ايجابيا الى تحوّل صوت الشارع الى داخل البرلمان بما يحرج السلطة التنفيذية المقبلة , وهناك من يستبعد ذلك ويتوقع أن تتم صفقة منصب رئيس الوزراء عبر التوافق بين الكتل الشيعية الخمسة وهذه هي رغبة الايرانيين في نهاية المطاف أن تظل السلطة في العراقية تحت السيطرة , وأن ينتهي زعل الأكراد مع بغداد برعاية إيرانية بعد تلبية بعض مطالبهم على غرار تطويع العرب السنة. وبذلك تكون إيران قد كسبت جولة صناعة الحكم في العراق مرة اخرى . أين شعب العراق من كل ما حصل ينتعش الرابحون بمواقعهم الرئيسية في العملية السياسية وتتوزع المناصب جميعها وفق ذات البلاء في المحاصصة المقيتة . مظهريا تبدو ايران قد كسبت لعبة الحفاظ على المنظومة المتحكمة بالعملية السياسية في العراق عبر تنازلات موضعية في الشعارات المرفوعة وحتى عبر مجيء بعض الشخصيات المستجدة بالعمل السياسي وتبدو مبهرة في الشكل أو ستبدو وسطية لكنها في العمق أكثر ولاء لإيران التي تمكنت عبر السنوات الخمسة عشر الماضية أن تربي أنواعا هجينة تصلح للظروف العصيبة الجديدة التي تمر بها إيران . لكن مع ذلك فإن ما حصل من هزة شعبية في ثغر العراق البصرة ومدن الجنوب خاصة قد أفسد الكثير من أسلحة إيران في العراق مما لجأها ميدانياً الى استنفار أدواتها المليشياوية المسلحة وهذا ما يحصل هذه الأيام في البصرة , مع الايحاءات السياسية الايرانية لأمريكا بأن صفقة صناعة الحاكم في بغداد لن تكون حادة ومباشرة المظهر في تعاطيها مع المشروع الإيراني , وهذا ما سيكسب القوى الخيرة في العراق إمكانيات الصمود بوجه الهجمة والاستمرار بفضح الأحزاب المغطاة بالدين والمذهب التي تتوهم بأنها قد سلمت من الانهيار. ثوب المحاصصة الجديد الذي ألبسته طهران للعملية السياسية بمشقة وجهد عال بشع وضيّق المقاس ولن يقي العراقيين من حرّ وبرد وسيتمزق في أول مواجهة مع استحقاقات المرحلة.
تاريخ الإضافـة 18/09/2018 - 13:09